وقوله ( وأن تجمعوا بين الأختين ) هذا تحريم للجمع بين الأختين فحكمته دفع الغيرة عمن يريد الشرع بقاء تمام المودة بينهما وقد علم أن المراد الجمع بينهما فيما فيه غيرة وهو النكاح أصالة ويلحق به الجمع بينهما في التسري بملك اليمين إذ العلة واحدة فقوله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم ) وقوله ( إلا ما ملكت أيمانكم ) يخص بغير المذكورات . وروي عن عثمان بن عفان : أنه سئل عن الجمع بين الأختين في التسري فقال " أحلتهما آية " يعني قوله تعالى ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) وحرمتهما آية يعني هذه الآية أي فهو متوقف . وروي مثله عن علي وعن جمع من الصحابة أن الجمع بينهما في التسري حرام وهو قول مالك . قال مالك " فإن تسرى بإحدى الأختين ثم أراد التسري بالأخرى وقف حتى يحرم الأولى بما تحرم به من بيع أو كتابة أو عتق ولا يحد إذا جمع بينهما " . وقال الظاهرية : يجوز الجمع بين الأختين في التسري لأن الآية واردة في أحكام النكاح أما الجمع بين الأختين في مجرد الملك فلا حظر فيه .
وقوله ( إلا ما قد سلف ) هو كنظيره السابق والبيان فيه كالبيان هناك بيد أن القرطبي قال هنا : ويحتمل معنى زائدا وهو جواز ما سلف وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحا وإذا جرى الجمع في الإسلام خير بين الأختين من غير إجراء عقود الكفار على مقتضى الإسلام ولم يعز القول بذلك لأحد من الفقهاء .
وقوله ( إن الله كان غفورا رحيما ) يناسب أن يكون معنى ( إلا ما قد سلف ) تقرير ما عقدوه من ذلك في عهد الجاهلية فالمغفرة للتجاوز عن الاستمرار عليه والرحمة لبيان سبب ذلك التجاوز .
( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ) عطف على ( وأن تجمعوا ) والتقدير : وحرمت عليكم المحصنات من النساء الخ... فهذا الصنف من المحرمات لعارض نظير الجمع بين الأختين .
والمحصنات " بفتح الصاد " من أحصنها الرجل إذا حفظها واستقل بها عن غيره ويقال : امرأة محصنة " بكسر الصاد " أحصنت نفسها عن غير زوجها ولم يقرأ قوله ( والمحصنات ) في هذه الآية إلا بالفتح .
ويقال أحصن الرجل فهو محصن " بكسر الصاد " لا غير ولا يقال محصن : ولذلك لم يقرأ أحد : ( محصنين غير مسافحين ) " بفتح الصاد " وقرئ قوله ( محصنات ) " بالفتح والكسر " وقوله ( فإذا أحصن ) " بضم الهمزة وكسر الصاد وبفتح الهمزة وفتح الصاد " . والمراد هنا المعنى الأول أي وحرمت عليكم ذوات الأزواج ما دمن في عصمة أزواجهن فالمقصود تحريم اشتراك رجلين فأكثر في عصمة امرأة وذلك إبطال لنوع من النكاح كان في الجاهلية يسمى الضماد ولنوع آخر ورد ذكره في حديث عائشة : أن يشترك الرجال في المرأة وهم دون العشرة فإذا حملت ووضعت حملها أرسلت إليهم فلا يستطيع أحد منهم أن يمتنع فتقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به . ونوع آخر يسمى نكاح الاستبضاع ؛ وهو أن يقول الزوج لامرأته إذا طهرت من حيضها : أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها . قالت عائشة : وإنما يفعل هذا رغبة في نجابة الولد وأحسب أن هذا كان يقع بتراض بين الرجلين والمقصد لا ينحصر في نجابة الولد فقد يكون لبذل مال أو صحبة . فدلت الآية على تحريم كل عقد على نكاح ذات الزوج أي تحريم أن يكون للمرأة أكثر من زوج واحد . وأفادت الآية تعميم حرمتهن ولو كان أزواجهن مشركين ولذلك لزم الاستثناء بقوله ( إلا ما ملكت أيمانهم ) أي إلا اللائى سبيتموهن في الحرب لأن اليمين في كلام العرب كناية عن اليد حين تمسك السيف .
وقد جعل الله السبي هادما للنكاح تقريرا لمعتاد الأمم في الحروب وتخويفا أن لا يناصبوا الإسلام لأنهم لو رفع عنهم السبي لتكالبوا على قتال المسلمين إذ لا شيء يحذره العربي من الحرب أشد من سبي نسوته ثم من أسره كما قال النابغة : .
حذارا على أن لا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
