والطول " بفتح الطاء وسكون الواو " القدرة وهو مصدر طال المجازي بمعنى قدر وذلك أن الطول يستلزم المقدرة على المناولة ؛ فلذلك يقولون : تطاول لكذا أي تمطى ليأخذه ثم قالوا : تطاول بمعنى تكلف المقدرة " وأين الثريا من يد المتطاول " فجعلوا لطال الحقيقي مصدرا " بضم الطاء " وجعلوا لطال المجازي مصدرا " بفتح الطاء " وهو مما فرقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين .
و ( المحصنات ) قرأه الجمهور " بفتح الصاد " وقرأه الكسائي " بكسر الصاد " على اختلاف معيني " أحصن " كما تقدم آنفا أي اللاتي أحصن أنفسهن أو أحصنهن أولياؤهن فالمراد العفيفات . والمحصنات هنا وصف خرج مخرج الغالب لأن المسلم لا يقصد إلا إلى نكاح امرأة عفيفة قال تعالى ( والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ) أي بحسب خلق الإسلام وقد قيل : إن الإحصان يطلق على الحرية وأن المراد بالمحصنات الحرائر ولا داعي إليه واللغة لا تساعد عليه .
وظاهر الآية أن الطول هنا هو القدرة على بذل مهر لامرأة حرة احتاج لتزوجها : أولى أو ثانية أو ثالثة أو رابعة لأن الله ذكر عدم استطاعة الطول في مقابلة قوله ( أن تبتغوا بأموالكم ) وقوله ( فآتوهن أجورهن فريضة ) ولذلك كان هذا الأصح في تفسير الطول . وهو قول مالك وقاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير والسدي وجابر ابن زيد وذهب أبو حنيفة إلى أن من كانت له زوجة واحدة فهي طول فلا يباح له تزوج الإماء ؛ لأنه طالب شهوة إذ كانت عنده امرأة تعفه عن الزنا ووقع لمالك ما يقرب من هذا في كتاب محمد بن المواز وهو قول ابن حبيب واستحسنه اللخمي والطبري وهو تضييق لا يناسب يسر الإسلام على أن الحاجة إلى امرأة ثانية قد لا يكون لشهوة بل لحاجة لا تسدها امرأة واحدة فتعين الرجوع إلى طلب التزوج ووجود المقدرة وقال ربيعة والنخعي وقتادة وعطاء والثوري : الطول : الصبر والجلد على نكاح الحرائر .
ووقع لمالك في كتاب محمد : " أن الذي يجد مهر حرة ولا يقدر على نفقتها ولا يجوز له أن يتزوج أمة وهذا ليس لكون النفقة من الطول ولكن لأن وجود المهر طول والنفقة لا محيص عنها في كليهما " وقال أصبغ : يجوز لهذا أن يتزوج أمة لأن نفقة الأمة على أهلها إن لم يضمها الزوج إليه وظاهر أن الخلاف في حال . وقوله ( أن ينكح ) معمول ( طولا ) بحذف " اللام " أو " على " إذ لا يتعدى هذا المصدر بنفسه .
A E ومعنى ( أن ينكح المحصنات ) أي ينكح النساء الحرائر أبكارا أو ثيبات دل عليه قوله ( فمما ملكت أيمانكم من فتيانكم المؤمنات ) .
وإطلاق المحصنات على النساء اللاتي يتزوجهن الرجال إطلاق مجازي بعلاقة المآل أي اللائى يصرن محصنات بذلك النكاح إن كن أبكارا كقوله تعالى ( قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا ) أي عنبا آيلا إلى خمر ؛ أو بعلاقة ما كان إن كن ثيبات كقوله ( وآتوا اليتامى أموالهم ) وهذا بين وفيه غنية عن تأويل المحصنات بمعنى الحرائر فإنه إطلاق لا تساعد عليه اللغة لا على الحقيقة ولا على المجاز وقد تساهل المفسرون في القول بذلك .
وقد وصف المحصنات هنا بالمؤمنات جريا على الغالب ومعظم علماء الإسلام على أن هذا الوصف خرج للغالب ولعل الذي حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول إذ لم تكن إباحة نكاحهن مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطا بالعجز عن الحرائر المسلمات فحصل من ذلك أن يكون مشروطا بالعجز عن الكتابيات أيضا بقاعدة المساواة . وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد للرق فلذلك ألغوا الوصف هنا وأعملوه في قوله ( من فتياتكم المؤمنات ) . وشذ بعض الشافعية فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرة المسلمة . ولو مع القدرة على نكاح الكتابية وكأن فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أن الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده فصار المؤمنات هنا كاللقب في نحو " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "
