والعدوان " بضم العين " مصدر بوزن كفران ويقال " بكسر العين " وهو التسلط بشدة فقد يكون بظلم غالبا ويدون حق قال تعالى ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) وعطف قوله ( وظلما ) على ( عدوانا ) من عطف الخاص على العام .
و ( سوف ) حرف يدخل على المضارع فيمحضه للزكم المستقبل وهو مرادف للسين على الأصح وقال بعض النحاة : ( سوف ) تدل على مستقبل بعيد وسماه : التسويف وليس في الاستعمال ما يشهد لهذا وقد تقدم عند قوله ( وسيصلون سعيرا ) في هذه السورة . و ( نصليه ) نجعله صاليا أو محترقا وقد مضى فعل صلي أيضا ووجه نصب ( نارا ) هنالك والآية دلت على كليتين من كليات الشريعة : وهما حفظ الأموال وحفظ الأنفس من قسم المناسب الضروري .
( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [ 31 ] ) اعتراض ناسب ذكره بعد ذكر ذنبين كبيرين : وهما قتل النفس وأكل المال بالباطل على عادة القرآن في التفنن من أسلوب إلى أسلوب وفي انتهاز الفرص في إلقاء التشريع عقب المواعظ وعكسه .
وقد دلت إضافة ( كبائر ) إلى ( ما تنهون عنه ) على أن المنبهات قسمان : كبائر ودونها وهي التي تسمى الصغائر وصفا بطريق المقابلة وقد سميت هنا سيئات . ووعد بأنه يغفر السيئات للذين يجتنبون كبائر المنهيات وقال في آية النجم ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ) فسمى الكبائر فواحش وسمى مقابلها اللمم فثبت بذلك أن المعاصي عند الله قسمان : معاصي كبيرة فاحشة ومعاصي دون ذلك يكثر أن يلم المؤمن بها ولذلك اختلف السلف في تعيين الكبائر . فعن علي : هي سبع : الإشراك بالله وقتل النفس وقذف المحصنات وأكل مال اليتيم والفرار يوم الزحف والتعرب بعد الهجرة . واستدل لجميعها بما في القرآن من أدلة جازم النهي عنها . وفي حديث البخاري عن النبي A " اتقوا السبع الموبقات . . " فذكر التي ذكرها علي إلا أنه جعل السحر عوض التعرب . وقال عبد الله بن عمر : هي تسع بزيادة الإلحاد في المسجد الحرام وعقوق الوالدين . وقال ابن مسعود : هي ما نهى عنه من أول سورة النساء إلى هنا . وعن ابن عباس : كل ما ورد عليه وعيد نار أو عذاب أو لعنة فهو كبيرة . وعن ابن عباس : الكبائر ما نهى الله عنه كتابة . وأحسن ضبط الكبيرة قول إمام الحرمين : هي كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين وبضعف ديانته . ومن السلف من قال : الذنوب كلها سواء إن كانت عن عمد . وعن أبي إسحاق الإسفرائيني أن الذنوب كلها سواء مطلقا ونفى الصغائر . وهذان القولان واهيان لأن الأدلة شاهدة بتقسيم الذنوب إلى قسمين ولأن ما تشتمل عليه الذنوب من المفاسد متفاوت أيضا وفي الأحاديث الصحيحة إثبات نوع الكبائر وأكبر الكبائر .
A E ويترتب على إثبات الكبائر والصغائر أحكام تكليفية : منها المخاطبة بتجنب الكبيرة تجنبا شديدا ومنها وجوب التوبة منها عند اقترابها ومنها أن ترك الكبائر يعتبر توبة من الصغائر ومنها سلب العدالة عن مرتكب الكبائر ومنها نقص حكم القاضي المتلبس بها ومنها جواز هجران المتجاهر بها ومنها تغيير المنكر على المتلبس بها . وتترتب عليها مسائل في أصول الدين : منها تكفير مرتكب الكبيرة عند طائفة من الخوارج التي تفرق بين المعاصي الكبائر والصغائر واعتباره منزلة بين الكفر والإسلام عند المعتزلة خلافا لجمهور علماء الإسلام . فمن العجائب أن يقول قائل : إن الله لم يميز الكبائر عن الصغائر ليكون ذلك زاجرا للناس عن الإقدام على كل ذنب ونظير ذلك إخفاء الصلاة الوسطى في الصلوات وليلة القدر في ليالي رمضان وساعة الإجابة في ساعات الجمعة هكذا حكاه الفخر في التفسير وقد تبين ذهول هذا القائل وذهول ليفخر عن رده لأن الأشياء التي نظروا بها ترجع إلى فضائل الأعمال التي لا يتعلق بها تكليف فإخفاؤها يقصد منه الترغيب في توخي مظانها ليكثر الناس من فعل الخير ولكن إخفاء الأمر المكلف به إيقاع في الضلالة فلا يقع ذلك من الشارع