والمدخل " بفتح الميم " اسم مكان الدخول ويجوز أن يكون مصدرا ميما . والمعنى : ندخلكم مكانا كريما أو ندخلكم دخولا كريما . والكريم هو النفيس في نوعه . فالمراد إما الجنة وإما الدخول إليها والمراد به الجنة . والمدخل " بضم الميم ) كذلك مكان أو مصدر أدخل . وقرأ نافع وأبو جعفر : ( مدخلا ) " بفتح الميم " وقرأه بقية العشرة " بضم الميم " .
( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما [ 32 ] ) عطف على جملة ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ( ولا تقتلوا أنفسكم ) .
والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين : أن التمني يحبب للمتمني الشيء الذي تمناه فإذا أحبه أتبعه نفسه فرام تحصيله وافتتن به فربما بعثه ذلك الافتنان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده وإلى الاستئثار به عن صاحب الحق فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحق صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمنتها الجمل المعطوف عليها . وقد اصبح هذا التكني في زماننا هذا فتنة لطوائف من المسلمين سرت لهم من أخلاق الغلاة في طلب المساواة مما جر أمما كثيرة إلى نحلة الشيوعية فصاروا يتخبطون لطلب التساوي في كل شئ ويعانون إرهاقا لم يحصلوا منه على طائل .
فالنهي عن التمني وتطلع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عاما فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسد ذراعها وذرائع غيرها فكان من جوامع الكلم في درء الشرور . وقد كان التمني من أعظم وسائل الجرائم فإنه يفضي إلى الحسد وقد كان أول جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد . ولقد كثر ما انتبهت أموال وقتلت نفوس للرغبة في بسط رزق أو فتنة نساء أو نوال ملك والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل .
والذي يبدوا أن هذا التمني هو تمني أموال المثرين وتمني انصباء الوارثين وتمني الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم وتمني حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم . وإنصاف النساء في مهورهن وترك مضارتهن إلجاء إلى إسقاطها ومن إعطاء انصباء الورثة كما قسم الله لهم . وكل ذلك من تفضيل بعض الناس على بعض في الرزق .
وقد أبدى القفال مناسبة للعطف تندرج فيما ذكرته . وفي سنن الترمذي عن مجاهد عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله يغزو الرجال ولا يغزو النساء وإنما لنا نصف الميراث فأنزل الله ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) . قال الترمذي : هذا حديث مرسل . قال ابن العربي : ورواياته كلها حسان لم تبلغ درجة الصحة . قلت : لما كان مرسلا يكون قوله : فأنزل الله ( ولا تتمنوا ) الخ . من كلام مجاهد ومعناه أن نزول هذه الآية كان قريبا من زمن قول أم سلمة فكان في عمومها ما يرد على أم سلمة وغيرها .
A E وقد رويت آثار : بعضها في أن هذه الآية نزلت في تمني النساء الجهاد وبعضها في أنها نزلت في قول امرأة " إن للذكر مثل حظ الأنثيين وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل كذلك " وبعضها في أن رجالا قالوا : إن ثواب أعمالنا على الضعف من ثواب النساء وبعضها في أن النساء سألن أجر الشهادة في سبيل الله وقلن لو كتب علينا القتال لقاتلنا . وكل ذلك جزئيات وأمثلة مما شمله عموم ( ما فضل الله به بعضكم على بعض ) .
والتمني هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب . وذلك له أحوال : منها أن يتمنى ما هو من فضل الله غير ملتفت فيه إلى شئ في يد الغير ولا مانع يمنعه من شرع أو عادة سواء كان ممكن الحصول كتمني الشهادة في سبيل الله أم كان غير ممكن الحصول كقول النبي A " ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى ثم أقتل " . وقوله A " ليتنا نرى إخواننا " يعني المسلمين الذين يجيئون بعده .
ومنها أن يتمنى ما لا يمكن حصوله لمانع عادي أو شرعي كتمني أم سلمة أن يغزوا النساء كما يغزوا الرجال وأن تكون المرأة مساوية الرجل في الميراث ومنها أن يتمنى تمنيا يدل على عدم الرضا بما ساقه الله والضجر منه أو على الاضطراب والانزعاج أو على عدم الرضا بالأحكام الشرعية
