ومنها أن يتمنى نعمة تماثل نعمة في يد الغير مع إمكان حصولها للمتمني بدون أن تسلب من التي هي في يده كتمني علم مثل علم المجتهد أو مال مثل مال قارون .
ومنها أن يتمنى ذلك لكن مثله لا يحصل بسلب المنعم عليه كتمني ملك بلدة معينة أو زوجة رجل معين .
ومنها أن يتمنى زوال نعمة عن الغير بدون قصد مصيرها إلى المتمني .
وحاصل معنى النهي في الآية أنهك إما نهي تنزيه لتربية المؤمنين على أن لا يشغلوا نفوسهم بما لا قبل لهم بنواله ضرورة أنه سماها تمنيا لئلا يكونوا على الحالة التي ورد فيها حديث " يتمنى على الله الأماني " ويكون قوله ( وسألوا الله من فضله ) إرشاد إلى طلب الممكن إذ قد علموا أن سؤال الله ودعاءه يكون في مرجوا الحصول وإلا كان سوء أدب .
وإما نهي تحريم وهو الظاهر من عطف على المنهيات المحرمة فيكون جريمة ظاهرة أو قلبية كالحسد بقرينة ذكره بعد قوله ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ( ولا تقتلوا أنفسكم ) .
فالتمني الأول والرابع غير منهي عنهما وقد ترجم البخاري في صحيحه " باب تمني الشهادة في سبيل الله مالا فسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس " .
وأما التمني الثاني والثالث فمنهي عنهما لأنهما يترتب عليهما اضطراب النفس وعدم الرضا بما قسم الله والشك في حكمة الأحكام الشرعية .
وأما التمني الخامس والسادس فمنهي عنهما لا محالة وهو الحسد وفي الحديث " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها " ولذلك نهى عن أن يخطب الرجل على خطبة أخيه إلا إذا كان تمنية في الحالة الخامسة تمني حصول ذلك له بعد من هي بيده بحيث لا يستعجل موته . وقد قال أبو بكر لما استخلف عمر يخاطب المهاجرين : " فكلكم ورم أنفه يريد أن يكون له الأمر دونه " .
والسادس أشد وهو شر الحسدين إلا إذا كان صاحب النعمة يستعين به على ضر يلحق الدين أو الأمة على إضرار المتمني .
ثم محل النهي في الآية : هو التمني وهو طلب ما لا قبل لأحد بتحصيله بكسبه لأن ذلك هو الذي يبعث على سلوك مسالك العداء فأما طلب ما يمكنه تحصيله من غير ضر بالغير فلا نهي عنه لأنه بطلبه ينصرف إلى تحصيله فيحصل فائدة دينية أو دنيوية أما طلب ما لا قبل له بتحصيله فإن رجع إلى الفوائد الأخروية فلا ضير في ذلك .
A E وحكمة النهي عن الأقسام المنهي عنها من التمني أنها تفسد ما بين الناس معاملاتهم فينشأ عنها الحسد وهو أول ذنب عصي الله به إذ حسد إبليس آدم ثم ينشأ عن الحسد الغيظ والغضب فيفضي إلى أذى المحسود قال تعالى ( ومن شر حاسد إذا حسد ) . وكان سبب أول جريمة في الدنيا الحسد : إذ حسد ابني آدم أخاه فقتله ثم إن تمني الأحوال المنهي عنها ينشأ في النفوس أول ما ينشأ خاطرا مجردا ثم يربوا في النفس رويدا رويدا حتى يصير ملكة فتدعوا المرء إلى اجترام الجرائم ليشفى غلته فلذلك نهوا عنه ليزجوا نفوسهم عند حدوث هاته التمنيات بزاجر الدين والحكمة فلا يدعوها تربوا في النفوس . وما نشأت الثورات والدعايات إلى ابتزاز الأموال بعناوين مختلفة إلا من تمني ما فضل به الله بعض الناس على بعض أو إلا أثر من آثار ما فضل الله به بعض الناس على بعض .
وقوله ( بعضكم على بعض ) صالح لأن يكون مرادا به آحاد الناس ولأن يكون مرادا به أصنامهم .
وقوله ( للرجال نصيب مما اكتسبوا ) الآية : إن أريد بذكر الرجال والنساء هنا قصد تعميم الناس مثل ما يذكر المشرق والمغرب والبر والبحر والنجد والغور فالنهي المتقدم على عمومه . وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمني قطعا لعذر المتمنين وتأنيسا بالنهي ولذلك فصلت وإن أريد بالرجال والنساء كلا من النوعين بخصوصه بمعنى أن الرجال يختصون بما اكتسبوه والنساء يختصصن بما اكتسبن من الأموال فالنهي المتقدم متعلق بالتمني الذي يفضي إلى أكل أموال اليتامى والنساء أي ليس للأولياء أكل أموال مواليهم وولاياهم إذ لكل من هؤلاء ما اكتسب . وهذه الجملة علة لجملة محذوفة دلت هي عليها تقديرها : ولا تتمنوا فتأكلوا أموال مواليكم .
والنصيب : الحظ والمقدار وهو صادق على الحظ في الآخرة والحظ في الدنيا وتقدم آنفا