والتقدير الثاني : ولكل شيء مما تركه الوالدان والأقربون جعلنا موالي أي قوما يلونه بالإرث أي يرثونه أي يكون تراثا لهم فيكون المضاف إليه المحذوف اسما نكرة عاما يبين نوعه المقام ويكون ( مما ترك ) بيانا لما في تنوين ( كل ) من الإيهام ويكون ( الوالدان والأقربون ) فاعلا ( لترك ) .
وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله ( ما فضل اله به بعضكم على بعض ) أي في الأموال أي ولكل من الذين فضلنا بعضهم على بعض جعلنا موالي يؤول إليهم المال فلا تتمنوا ما ليس لكم فيه حق في حياة أصحابه ولا ما جعلناه للموالي بعد موت أصحابه .
التقدير الثالث : ولكل منكم جعلنا موالي أي عاصبين من الذين تركهم الوالدان مثل الأعمام والأجداد والأخوال فإنهم قرباء الأبوين ومما تركهم الأقربون مثل أبناء الأعمام وأبنائهم وإن تعددوا وأبناء الأخوات كذلك فإنهم قرباء الأقربين فتكون الآية مشيرة إلى إرجاع الأموال إلى العصبة عند الجمهور وإلى ذوي الأرحام عند بعض الفقهاء وذلك إذا انعدم الورقة الذين في آية المواريث السابقة وهو حكيم مجمل بينه قول النبي A " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر " وقوله " ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم " رواه أبو داود والنسائي وقوله " الخال وارث من لا وارث له " أخرجه أبو داود والترمذي وقوله تعالى ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وبذلك أخذ أبو حنيفة وأحمد وعليه ف ( ما ) الموصولة في قوله ( مما ترك ) بمعنى ( من ) الموصولة ولا بدع في ذلك . وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله تعالى بعد آية المواريث ( تلك حدود الله ) فتكون تكملة لآية المواريث .
التقدير الرابع : ولكل منكم أيها المخاطبون بقولنا ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) جعلنا موالي أي شرعنا أحكام الولاء لمن هم موال لكم فحكم الولاء الذي تركه لكم أهاليكم : الوالدان والأقربون أي أهل الولاء القديم في القبيلة المنجر من حلف قديم أو بحكم الولاء الذي عاقدته الأيمان أي الأحلاف بينكم وبينهم أيها المخاطبون وهو الولاء الجديد الشامل للتبني المحدث وللحلف المحدث مثل المؤاخاة التي فرضها النبي A بين المهاجرين والأنصار فإن الولاء منه ولاء قديم في القبائل ومنه ما يتعاقد عليه الحاضرون كما أشار إليه أبو تمام .
A E .
أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حلف هناك قديم وعلى هذا التقدير يكون ( والذين عاقدت أيمانكم ) معطوفا على ( الوالدان والأقربون ) . وهذا التقدير يناسب أن يكون ناشئا عن قوله تعالى ( تلك حدود الله ) فتكون هذه الآية تكملة لآيات المواريث .
وللمفسرين تقادير أخرى لا تلائم بعض أجزاء النظم إلا بتعسف فلا ينبغي التعريج عليها .
وقوله ( والذين عاقدت أيمانكم ) قيل معطوف على قوله ( الوالدان والأقربون ) وقيل هو جملة مستأنفة استئنافا بيانيا كأنه قيل : من هم الموالي ؟ فقيل : ( الوالدان والأقربون ) الخ على أن قوله ( فآتوهم نصيبهم ) خبر عن قوله ( والذين عاقدت ) . وأدخلت الفاء في الخبر لتضمن الموصول معنى الشرط ورجح هذا بأن المشهور أن الوقف على قوله ( والأقربون ) وليس على قوله ( أيمانكم ) . والمعاقدة : حصول العقد من الجانبين أي الذين تعاقدتم معهم على أن يكونوا بمنزلة الأبناء أو بمنزلة الاخوة أو بمنزلة أبناء العم . والإيمان جمع يمين : إما بمعنى اليد أسند العقد إلى الأيدي مجازا لأنها تقارن المتعاقدين لأنهم يضعون أيدي بعضهم في أيدي الآخرين علامة على انبرام العقد ومن أجل ذلك سمي العقد صفقة أيضا لأنه يصفق فيه اليد على اليد فيكون من باب ( أو ما ملكت إيمانكم ) ؛ وإما بمعنى القسم لأن ذلك كان يصحبه قسم ومن أجل ذلك سمي حلفا وصاحبه حليفا . وإسناد العقد إلى الإيمان بهذا المعنى مجاز أيضا لأن القسم هو سبب انعقاد الحلف