والمراد ب ( الذين عاقدت أيمانكم ) : قيل موالي الحلف الذي كان العرب يفعلونه في الجاهلية وهو أن يحالف الرجل الآخر فيقول له " دمي دمك وهدمي هدمك " أي إسقاط أحدهما للدم الذي يستحقه يمضي على الآخر " وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك " . وقد جمع هذين الصنفين من الموالي الحصين بن الحمام من شعراء الحماسة في قوله : .
مواليكم مولى الولادة منكم ... ومولى اليمين حابس قد تقسما قيل : كانوا جعلوا للمولى السدس في تركة الميت فأقرته هذه الآية ثم نسختها آية الأنفال : ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن جبير ولعل مرادهم أن المسلمين جعلوا للمولى السدس وصية لأن أهل الجاهلية لم تكن عندهم مواريث معينة . وقيل : نزلت هذه الآية في ميراث الاخوة الذين آخى النبي A بينهم من المهاجرين والأنصار في أول الهجرة فكانوا يتوارثون بذلك دون ذوي الأرحام ثم نسخ الله ذلك بآية الأنفال فتكون هذه الآية منسوخة . وفي أسباب النزول للواحدي عن سعيد بن المسيب أنها نزلت في التبني الذي كان في الجاهلية فكان المتبني يرث المتبنى " بالكسر " مثل تبني النبي A زيد بن حارثه الكلبي وتبنى الأسود بن عبد يغوث المقداد الكندي المشهور بالمقداد بن الأسود وتبنى الخطاب بن نفيل عامرا بن ربيعة وتبنى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة سالما بن معقل الأصطخري المشهور بسالم مولى أبي حذيفة ثم نسخ بالمواريث . وعلى القول بأن ( والذين عاقدت أيمانكم ) جملة مستأنفة فالآية غير منسوخة فقال ابن عباس في رواية ابن جبير عنه في البخاري هي ناسخة لتوريث المتآخين من المهاجرين والأنصار لأن قوله ( مما ترك الوالدان والأقربون ) حصر الميراث في القرابة فتعين على هذا أن قوله ( فآتوهم نصيبهم ) أي نصيب الذين عاقدت أيمانكم من النصر والمعونة أو في توهم نصيبهم بالوصية وقد ذهب الميراث . وقال سعيد بن المسيب : نزلت في التبني أمرا بالوصية للمتبنى . وعن الحسن أنها في شأن الموصى له إذا مات قبل موت الموصي أن يجعل الوصية لأقاربه لزوما .
وقرأ الجمهور : ( عاقدت ) بألف بعد العين وقرأه حمزة وعاصم والكسائي وخلف : ( عقدت ) بدون ألف ومع تخفيف القاف .
والفاء في قوله ( فآتوهم نصيبهم ) فاء الفصيحة على جعل قوله ( والذين عاقدت أيمانكم ) معطوفا على ( الوالدان والأقربون ) أو هي زائدة في الخبر إن جعل ( والذين عاقدت ) مبتدأ على تضمين الموصول معنى الشرطية . والأمر في الضمير المجرور على الوجهين ظاهر .
A E ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله والأتي تخافون نشوزهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا [ 34 ] ) استئناف ابتدائي لذكر تشريع في حقوق الرجال وحقوق النساء والمجتمع العائلي . وقد ذكر عقب ما قبله لمناسبة الأحكام الراجعة إلى نظام العائلة لا سيما أحكام النساء فقوله ( الرجال قوامون على النساء ) أصل تشريعي كلي تتفرع عنه الأحكام التي في الآيات بعده فهو كالمقدمة .
وقوله ( فالصالحات ) تفريع عنه مع مناسبته لما ذكر من سبب نزول ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) فيما تقدم .
والحكم الذي في هذه الآية حكم جيئ به لتعليل شرع خاص .
فلذلك فالتعريف في ( الرجال ) و ( النساء ) للاستغراق . وهو استغراق عرفي مبني على النظر إلى الحقيقة كالتعريف في قول الناس ( الرجل خير من المرأة ) يؤول إلى الاستغراق العرفي الأحكام المستقرة للحقائق أحكام أغلبية فإذا بنى عليها استغراق فهو استغراق عرفي . والكلام خبر مستعمل في الأمر كشأن الكثير من الأخبار الشرعية