والقوام : الذي يقوم على شأن شئ ويليه ويصلحه يقال : قوام وقيام وقيوم لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره فأطلق على الاهتمام القيام بعلاقة اللزوم أو شبه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل . فالمراد من الرجال من كان من أفراد حقيقة الرجل أي الصنف المعروف من النوع الإنساني وهو صنف الذكور وكذلك المراد من النساء صنف الإناث من النوع الإنساني وليس المراد الرجال جمع الرجل بمعنى رجل المرأة أي زوجها لعدم استعماله في هذا المعنى بخلاف قولهم : امرأة فلان ولا المراد من النساء الجمع الذي يطلق على الأزواج الإناث وإن كان ذلك قد استعمل في بعض المواضع مثل قوله تعالى ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) بل المراد ما يدل عليه اللفظ بأصل الوضع كما في قوله تعالى ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) وقول النابغة : .
" ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا يريد أزواجه وبناته وولاياه .
فموقع ( الرجال قوامون على النساء ) موقع المقدمة للحكم بتقديم دليله للاهتمام بالدليل إذ قد يقع سوء تأويل أو قد وقع بالفعل فقد روي أن سبب نزول الآية قول النساء " ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشركناهم في الغزو " .
وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع وقيام الاكتساب والإنتاج المالي ولذلك قال ( بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) أي : بتفضيل الله بعضهم على بعض وبإنفاقهم من أموالهم إن كانت ( ما ) في الجملتين مصدرية أو بالذي فضل الله به بعضهم وبالذي أنفقوه من أموالهم إن كانت ( ما ) فيها موصولة فالعائدان من الصلتين محذوفان : أما المجرور فلأن اسم الموصول مجرور بحرف مثل الذي جر به الضمير المحذوف وأما العائد المنصوب من صلة ( وبما أنفقوا ) فلأن العائد المنصوب يكثر حذفه من لصلة . والمراد بالبعض في قوله تعالى ( فضل الله بعضهم ) هو فريق الرجال كما هو ظاهر من العطف في قوله ( وبما أنفقوا من أموالهم ) فإن الضميرين للرجال .
فالتفضيل هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذب عنها وحراستها لبقاء ذاتها كما قال عمرو بن كلثوم .
يقتن جيادنا ويقلن لستم ... بعولتنا إذا لم تمنعونا فهذا التفضيل ظهرت آثاره على مر العصور والأجيال فصار حقا مكتسبا للرجال وهذه حجة برهانية على كون الرجال قوامين على النساء فإن حاجة النساء إلى الرجال من هذه الناحية مستمرة وإن كانت تقوى وتضعف .
A E وقوله ( وبما أنفقوا ) جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أمر قد تقرر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم فالرجال هم العائدون لنساء العائلة من أزواج وبنات وأضيفتا لأموال إلى ضمير الرجال لأن الاكتساب من شأن الرجال فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث وذلك من عمل الرجال وزاد اكتساب الرجال في عصور الحضارة بالغرس والتجارة والإجارة والأبنية ونحو ذلك وهذه حجة خطابية لأنها ترجع إلى مصطلح غالب البشر لا سيما العرب . ويندر أن تتولى النساء مساعي من الاكتساب لكن ذلك نادر بالنسبة إلى عمل الرجل مثل استئجار الظئر نفسها وتنمية المرأة مالا ورثته من قرابتها .
ومن بديع الإعجاز صوغ قوله ( بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) في قالب صالح للمصدرية والموصولية فالمصدرية مشعرة بأن القيامة سببها تفضيل من الله وإنفاق والموصولية مشعرة بأن سببها ما يعلمه الناس من فضل الرجال ومن إنفاقهم ليصلح الخطاب للفريقين : عالمهم وجاهلهم كقول السموأل أو الحارثي : .
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول ولأن في الإتيان ب ( ما ) مع الفعل على تقدير احتمال المصدرية جزالة لا توجد في قولنا : بتفضيل الله وبالإنفاق لأن العرب يرجحون الأفعال على الأسماء في طرق التعبير