@ 215 @ صريحاً اه محل الغرض منه . وقال في موضع آخر : وإن تعذر الجمع الذي قدمته ، فحديث أبي بردة أصح مخرجاً اه منه . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : أما الجمع الذي ذكره ابن حجر ، فالظاهر عندي : أنه لا يصح . وقوله : لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع غلط منه رحمه الله ، بل وقع في السياق التصريح باستمرار المنع لأن قوله صلى الله عليه وسلم ( ولن تجزىء عن أحد بعدك ) صريح في استمرار منع الإجزاء عن غيره ، لأن لفظة ( لن ) تدل على نفي الفعل في المستقبل من الزمن ، فهي دليل صريح على استمرار عدم الإجزاء عن غيره ، في المستقبل من الزمن ويؤيد ذلك أن قوله ( عن أحد بعدك ) نكرة في سياق النفي ، فهي تعم كل أحد في كل وقت كما ترى . .
والصواب : الترجيح بين الحديثين ، وحديث أبي بردة لا شك أن لفظة ( ولن تجزىء عن أحد بعدك ) فيه أصح سنداً من زيادة نحو ذلك في حديث عقبة ، فيجب تقديم حديث أبي بردة ، على حديث عقبة ، كما ذكره ابن حجر في كلامه الأخير والله تعالى أعلم . .
فإن قيل : ذكر جماعة من علماء العربية أن لفظة : لن : لا تدل على تأبيد النفي . قال ابن هشام في المغني في الكلام على لن : ولا تفيد توكيد النفي ، خلافاً للزمخشري في كشافه ، ولا تأبيده خلافاً له في أنموذجه ، وكلاهما دعوى بلا دليل ، قيل : ولو كانت للتأبيد ، لم يقيد منفيها باليوم في { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً } ولكان ذكر الأبد في { وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } تكراراً والأصل عدمه اه محل الغرض منه . .
فالجواب : أن قول الزمخشري بإفادة لن : التأبيد يجب رده ، لأنه يقصد به استحالة رؤية الله تعالى يوم القيامة زاعماً أن قوله لموسى : { لَن تَرَانِى } تفيد فيه لفظة : لن تأييد النفي ، فلا يرى الله عنده أبداً لا في الدنيا ، ولا في الآخرة . وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص الصحيحة في القرآن والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها . وقد بينا مراراً أن رؤية الله تعالى بالأبصار : جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة . ولو كانت ممنوعة عقلاً في الدنيا لما قال نبي الله موسى { رَبِّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى ، وأنها ممنوعة شرعاً في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة ، وإفادة لن التأبيد التي زعمها الزمخشري في الآية تردها