وقد زعموا أن الغريب إذا نأي وشطت به أوطانه فهو مغرم وأي اغتراب فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم وكان عطاء السلمي يقول في دعائه اللهم ارحم في الدنيا غربتي وارحم في القبر وحشتي وارحم موقفي غدا بين يديك قال الحسن بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كقوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي أنفدوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل يقطر رأسه ماء فقالوا إن هذا قريب عهد بريف وما جاءكم هذا إلا من قريب فلما انتهى إليهم قال علام أنتم قالوا على ما تري قال أرأيتكم إن هديتكم على ماء رواء ورياض خضر ما تعملون قالوا لا نعصيك شيئا قال أعطوني عهودكم ومواثيقكم بالله قال فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا قال فأوردهم ماء ورياضا خضرا فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال يا هؤلاء الرحيل قالوا إلى أين قال إلى ماء ليس كمائكم وإلي رياض ليست كرياضكم فقال جل القوم وهم أكثرهم والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده وما نصنع بعيش خير من هذا وقالت طائفة وهم أقلهم ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه فو الله ليصدقنكم في آخره قال فراح فيمن تبعه وتخلف بقيتهم فنزل بهم عدو فأصبحوا بين أسير وقتيل خرجه ابن أبي الدنيا وخرجه الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعناه مختصرا فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أمته فإنه أتاهم والعرب إذ ذاك أذل الناس وأقلهم وأسوأهم عيشا في الدنيا وحالا في الآخرة فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة وظهر لهم من براهين صدقه كما ظهر من صدق أمر الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة وقد نفد ماؤهم وهلك ظهرهم برؤيته في حلة رجلا يقطر رأسه ماء ودلهم على الماء والرياض المعشبة فاستدلوا بهيئته وجماله وحاله على صدق مقالته فاتبعوه ووعد من اتبعوه بفتح بلاد فارس والروم وأخذ كنوزها وحذرهم من الاغترار بذلك والوقوف معهم وأمرهم بالتجزي من الدنيا بالبلاغ والجد والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها فوجدوا ما وعدهم به حقا كله فلما فتحت عليهم الدنيا كما وعدهم اشتغل أكثر الناس بجمعها واكتنازها والمنافسة فيها ورضوا بالإقامة فيها والتمتع بشهواتها وتركوا الآخرة الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجد والاجتهاد في طلبها وقبل قليل من الناس وصيته في الجد في طلب والاستعداد لها فهذه الطائفة القليلة نجت ولحقت نبيها صلى الله عليه وآله وسلم في الآخرة
