حيث سلكت طريقته في الدنيا وقبلت وصيته وامتثلت ماأمرت به وأما أكثر الناس فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها فشغلهم ذلك عن الآخرة حتى فاجأهم الموت بغتة على هذه الغرة فهلكوا وأصبحوا مابين قتيل وأسير وماأحسن قول يحيى بن معاذ الرازي الدنيا خمر الشيطان من سكر منها لم يفق إلا في عسكر الموت نادما مع الخاسرين الحال الثاني أن يترك المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره وهو الموت ومن كانت هذه حاله في الدنيا فهمته تحصيل الزاد للسفر فليس له همة للاستكثار من طلب متاع الدنيا ولهذا وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب قيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم مرحلة إلى الآخرة وقال الحسن إنما أنت أيام مجموعة كلما مضي يوم مضي بعضك وقال ابن آدم إنما أنت بين مطيتين يوضعانك يوضعك الليل إلى النهار والنهار إلى الليل حتى يسلمانك إلى الآخرة فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرا وقال الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوي من ورائكم قال داود الطائي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجل من ذلك فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك فكأنك بالأمر قد بغتك وكتب بعض السلف إلى أخ له ياأخي يخيل لك أنك مقيم بل أنت دائب السير تساق مع ذلك سوقا حثيثا الموت متوجه إليك والدنيا تطوي من ورائك ومامضي من عمرك فليس بكار عليك يوم الغابن سبيلك في الدنيا سبيل مسافر ولا بد من زاد لكل مسافر ولا بد للإنسان من حمل عدة ولا سيما إن خاف صولة قاهر
