- أتى في عهود المناهي حديث الإمام أحمد مرفوعا : [ [ من تبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن وما ازداد عبد من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا ] ] .
وهو محمول على من دخل إليهم وهو راغب في دنياهم .
وفي رواية للإمام أحمد وغيره مرفوعا : [ [ يكون بعدي أمراء يغشاهم غواش وحواش من الناس يكذبون ويظلمون فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ] ] .
وروى ابن ماجه مرفوعا ورواته ثقات : [ [ سيتفقه أناس من أمتي في الدين ويقرءون القرآن ويقولون نأتي الأمراء فنصيب من دنياهم ونعتزلهم بديننا ولا يكون ذلك كما لا يجتنى من القتاد إلا الشوك كذلك لا يجتنى من قربهم ] ] .
قال ابن الصلاح كأنه يعنى الخطايا والأحاديث في ذلك كثيرة وسيأتي غالبها في عهود المناهي . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نروض نفوسنا إذا طلبنا الدخول على الظلمة ومخالطتهم بالورع عن شبهات الدنيا والزهد في حلالها فإذا أحكمنا المقام في ذلك دخلنا بعد ذلك على كل ظالم وخرجنا من حضرته سالمين من الإثم إن شاء الله تعالى . وأما من دخل إليهم من غير أن يروض نفسه في الورع والزهد فمن لازمه غالبا الآثام والسكوت على منكراتهم لأن من يستمطر من أحد حسنة يخاف من تغير خاطر ذلك الأحد عليه ولو كان في ذلك سخط الله كما جرب بخلاف من يدخل إليهم زاهدا فيما بأيديهم بحيث لو قبلوا نعله ليأخذ مالهم لا يلين إليهم خوفا من الله فهذا يخرج سالما من الإثم ومن تسليطهم عليه بضرب أو حبس أو تحويل نعمة . ولما وشوا بذي النون المصري وجئ به من مصر إلى بغداد مقيدا مغلولا في محنة وقعت له مروا به على عجوز تسرح كتانا في مخزنها فقالت : ما هذه الكبكة فقالوا لها إنهم أتوا بذي النون المصري إلى الخليفة ليقتله لزعم أهل مصر أنه أتلف عقائد الناس فقالت العجوز : ائتوني به فأتوها به فقالت له : [ [ يا ذا النون إن أردت النصرة على من ظلمك بين يدي الخليفة فاستحضر عظمة الله تعالى ومثل نفسك أنت والأخصام والخليفة بين يدي الله D وهو الحاكم وإياك أن تخاف من الخليفة فيسلطه الله عليك وإياك أن تجيب عن نفسك فيكلك الله إليها بل اسكت وارض بعلم الله فيك وانتظر ما ينطق الله تعالى به الخليفة في شأنك ] ] فقال لها : نعم فلما مضوا به إلى بين يدي الخليفة ادعى عليه أهل مصر بأنه زنديق أتلف عقائد الناس فقال له الخليفة : ما تقول ؟ فقال : [ [ ماذا أقول ؟ إن قلت لا كذبتهم وأنا أستحيي أن أكذب مسلما وقد سافروا من مصر إلى هنا لتنصرهم علي وإن قلت نعم كذبت نفسي وظلمتها وطالبني الله بها ] ] . فسكت الخليفة ثم قال : [ [ إن كان هذا زنديقا فما على وجه الأرض مسلم ] ] ثم صنع له محفة وفرش له فيها نحو ويبة ؟ ؟ من الذهب وقال : [ [ أنفقه في سفرتك ولا تنسنا من دعائك ] ] فمر ذو النون على العجوز وقال لها : جزاك الله عني خيرا .
وسمعت سيدي عليا الخواص C يقول : [ [ من لم يعطه الله التصريف في الظلمة بالعزل والتولية وتحويل النعم وتأثيره في أبدانهم فليس له الإكثار من الدخول عليهم في شفاعة ولا غيرها لا سيما في هذا الزمان الذي قد صار الفقير فيه عند الظلمة من أحقر الناس لا يقبلون له شفاعة إما لعدم مشى الفقير على قواعد الصالحين وإما لعدم استحقاق الناس للشفاعة فيهم .
وقد صحبت أنا جماعة من الولاة على قدم الزهد فيما بأيديهم فلم يردوا إلي شفاعة إلى أن عزلوا أو ماتوا فأحكم يا أخي مقام الزهد في أموالهم وهداياهم ثم ادخل عليهم ليلا ونهارا في الشفاعات لا يضرك ذلك إن شاء الله تعالى .
وقد شفع سيدي الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى الله عنه في يوم مائة شفاعة عند السلطان وهو يرد ولا يقبل فلما رجع مرة أخرى بعد المائة عرض عليه السلطان دراهم فردها وأشار إلى مدورات حجارة كانت بين يدي السلطان فصارت ذهبا فاستغفر السلطان من مخالفة الشيخ ورسم بقضاء جميع الحوائج التي يسأل فيها كلها .
وذكر الشيخ محيى الدين بن العربي رضى الله عنه في الفتوحات المكية أنه دخل على الملك الظاهر بيبرس يشفع في وزير من وزرائه كان تغير عليه وأمر بصلبه فقال له السلطان : [ [ لا أقبل لك فيه شفاعة وذكر عنه أمور يستحق بها القتل ] ] فقال له الشيخ : [ [ يا مولانا السلطان أنا من جملة رعيتك وأستحيي من الله أن تضيق دائرة حلمي وصفحي على واحد من الناس فكيف بدائرة حلم مولانا السلطان ؟ ] ] قال الشيخ : [ [ فقبل شفاعتي فيه وقضيت عنده في ذلك المجلس مائة حاجة وثمانية عشر حاجة ] ] فمثل هؤلاء يا أخي هم الذين لا يخاف عليهم من الدخول على الملوك والأمراء والظلمة وأما محب الدنيا الذي يستمطر من الظلمة هدية أو حسنة فيخاف عليه من هلاك دينه { والله غفور رحيم }
