- روى مسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي مرفوعا : [ [ من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ] ] .
وفي رواية للنسائي : [ [ من رأى منكم منكرا فغيره بيده فقد برئ ومن لم يستطع أن يغيره بيده فغيره بلسانه فقد برئ ومن لم يستطع أن يغيره بلسانه فغيره بقلبه فقد برئ وذلك أضعف الإيمان ] ] .
وروى البخاري عن عبادة بن الصامت قال : [ [ بايعنا رسول الله A على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أن نقول الحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم ] ] .
وروى أبو داود وغيره مرفوعا : [ [ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر أو أمير جائر ] ] .
وروى البخاري والترمذي مرفوعا : [ [ مثل القائم في حدود الله تعالى والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا إن خرقنا في سفينتنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا ] ] .
وروى الترمذي مرفوعا : [ [ والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ] ] .
وروى أبو داود مرفوعا : [ [ إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع لا يحل لك ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله على قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } ثم قال A : [ [ كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ] ] .
أي تعطفونه وتقهرونه وتلزمونه باتباع الحق كرها عليه .
وروى أبو داود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه مرفوعا : [ [ ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ] ] .
وروى أبو الشيخ والبيهقي عن أبي هريرة قال : [ [ قلت يا رسول الله من خير الناس ؟ قال أتقاهم للرب D وأوصلهم للرحم وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر ] ] .
وروى الأصبهاني مرفوعا : [ [ أيها الناس مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا الله فلا يستجيب لكم وقبل أن تستغفروه فلا يغفر لكم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يرفع رزقا ولا يقرب أجلا وإن الأحبار من اليهود والرهبان من النصارى لما تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعنهم الله على لسان أنبيائهم ثم عموا بالبلاء ] ] .
وفي رواية له أيضا مرفوعا : [ [ لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وترد عنهم العذاب والنقمة ما لم يستخفوا بحقها قالوا : يا رسول الله وما الاستخفاف ؟ قال : يظهر العمل بمعاصي الله فلا ينكروا ولا يغيروا ] ] .
وروى الحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : [ [ إذا رأيت العلماء تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم ] ] .
وسيأتي عدة أحاديث في عهود المنهيات . والله تعالى أعلم .
- ( أخذ علينا العهد العام من رسول الله A ) أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر سواء أنفسنا وغيرنا فإن كلاهما واجب .
ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ صادق يعرفه طرق السياسة ليدخل منها إلى حضرة انقياد الناس له فإن كثيرا من الناس يأمر بمعروف أو ينهى عن المنكر من غير سياسة فيزداد المنكر بقيام نفس ذلك العاصي أو الظالم مثلا .
وقد رأيت فقيها مر في الحمام على شخص مكشوف الفخذين فوكزه برجله باحتقار وازدراء وقال حرام عليك هذا فقال الشخص جكارة فيك يا فقيه أن أرمي المئزر أصلا فرماه جكارة في الفقيه ولو أنه كان يعرف طرق السياسة لجلس إليه برفق وقال له في أذنه يا سيدي أنت من ذوي المروآت ونخاف أن أحدا ينظرك فيعترض عليك فكان الآخر يقول له جزاك الله تعالى عني خيرا وكثيرا ما يأمر إنسان بمعروف أو ينهى عن منكر بغير سياسة فيحصل له ضرر ويصير يقول أنا الظالم الذي أمرت فلانا أو نهيته ولكن تبت إلى الله إني ما عدت آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر فيجعل الواجب محظورا ويستغفر منه وكل ذلك من قلة السياسة .
واعلم يا أخي أن الإجماع منعقد على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال الله تعالى : { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } . وما قام الدين إلا بذلك وقد ذم الله تعالى بني إسرائيل بقوله تعالى : { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون } .
وقد جعل الشارع A لتغيير المنكر ثلاثة طرق : اليد واللسان والقلب وكان سيدي علي الخواص C يقول : تغيير المنكر باليد للولاة الذين إن ضربوا العاصي لا يقدر بضربهم وتغييره باللسان للعلماء العاملين فيأمرون الناس وينهونهم فيمتثلون قولهم وتغييره بالقلب لكمل العارفين فيتوجه العارف إلى الله في كسر جرة الخمر فتنفلق نصفين بنفسها والى الظالم فتيبس يده التي يضرب بها ذلك المظلوم فقلت له : إن الشارع جعل ذلك أضعف الإيمان فقال : [ [ جعله صحيح لأن الإنسان كلما ارتفع عن حجاب الإيمان إلى حضرة الإحسان رق حجاب إيمانه فكنى عن تلك الرقة بالضعف بالنظر لمرتبة الشهود الواقع لأهل حضرة الإحسان فليس المراد بضعف الإيمان الضعف المذموم لأن صاحب هذا الحال قد ارتقى عن الإيمان خلف الحجاب إلى حضرة الشهود كالذي كان مؤمنا بشيء من وراء حائط من زجاج ثخينة لا يرى أحد ما وراءها فصارت ترق وتدق حتى صارت كالبلور تحكي ما وراءها فهذا معنى قوله " أضعف الإيمان " وأما على ما يفهمه غالب الناس من أنه ينكر بقلبه فليس ذلك بتغيير للمنكر بل هو باق والشارع قد صرح بأنه يغيره بقلبه وليس التغيير إلا ما ذكرناه من كسر جرة الخمر مثلا فافهم هذا مع أنا نقول الإنكار بالقلب واجب على كل مسلم .
وكان سيدي إبراهيم المتبولي يقول لأصحابه : [ [ إذا رأيتم منكرا فغيروه بقلوبكم لا سيما منكرات الولاة والظلمة وجند السلطان ولا تطلبوا تغييره باليد واللسان فيضربوكم ونزل الشيخ مرة هو والفقراء تحت شجرة جميز بنواحي المطرية خارج مصر المحروسة فجاء جماعة من مماليك السلطان فنزلوا وأخرجوا جرار الخمر والأقداح فقال بعض الفقراء يا سيدي نريد نكسر جرارهم فقال يضربوكم علو حمار ولكن إن كان لأحد منكم قلب فليتوجه إلى الله تعالى في كسر جرارهم واشتغالهم ببعضهم فتوجه منهم فقير فانكسرت جرار الخمر وظن كل واحد أن صاحبه كسر جرته فتضاربوا بالسلاح حتى تجرحوا وركبوا يشتكون بعضهم بعضا لأستاذهم فقال الشيخ هكذا فغيروا المنكر فإن مد اليد في هذه الدار ليس هو للفقير فإن مد يده قطعت .
وسمعت أخي أفضل الدين C يقول : [ [ إني لأتعجب ممن يشتغل بإزالة منكرات الغير ولا يسعى في إزالة منكرات نفسه ويهجر الغير لأفعال نفسه الرديئة وإن كان واجبا ولكن الله ذم من ينسى نفسه ويشتغل بأمر الخلق في قوله تعالى : { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم } .
أي وهو أقرب الأشياء إليكم وقال تعالى : { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } .
وقد قالوا : تخلص من الغرق ثم اشتغل بأخذ يد غيرك مع وجوب عزمك حال غرقك أنك تأخذ بيد غيرك . وكذلك القول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اشتغل بأمر نفسك ونهيها وأنت عازم على أمر غيرك ونهيه وليس المحظور إلا أن تشتغل بنفسك وأنت عازم على أنك لا تأمر غيرك فأنت كمن خاف من أمره بمعروف أو نهيه عن منكر ثوران نفس المأمور أو المنهي وزيادته في المعصية فمن السياسة أن تترقب له وقتا آخر وأيضا فإن من كان جالسا يشرب الخمر فصار يقول لإنسان آخر يشرب حرام عليك لا يؤثر قوله في ذلك الشارب بل يضحك عليه ويقول له قل ذلك لنفسك وقد قال الشاعر : .
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم .
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا فعلت كذا فأنت حكيم .
وهذا العهد يخل به كثير من الناس لأجل عدم سلامتهم من المنكر فيخافون أن ينكروا منكرا فيقول الناس انهوا أنتم أنفسكم عن كذا وكذا ولو أنهم سلموا من المنكر لربما انقاد الناس لهم ومن هنا قالوا لا ينبغي لإنسان أن يعظ الناس إلا إن كان متعظا قبلهم فلا يأمرهم بترك الدنيا ويزاحم هو عليها ولا يأمرهم بالصدقة ويبخل هو ولا يأمرهم بقيام الليل وينام هو وقس على ذلك لأن رؤية الناس إلى أفعاله تحجبهم عن سماع مقاله ولا يخفى أن ذلك أكثري لا كلي فلا يلزم من عدم انقياد الناس للواعظ أنه غير عامل بعلمه فإن الأنبياء عليهم السلام عاملون بعلمهم بالإجماع لعصمتهم ومع ذلك فما أطاعهم وانقاد لهم إلا القليل وإنما الانقياد راجع للقبضتين والداعي جاء يميز بدعوته بين أهل كل قبضة لا غير وليس بيده سعادة ولا شقاوة قال تعالى : { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين } .
وكذلك الحكم في كل داع إلى الله إلى يوم القيامة وقول الناس حصل لفلان خير ببركة سيدي الشيخ إنما هو أدب فقط مع ذلك الشخص ولو حققوا النظر لوجدوا ضرره أكثر من نفعه على مصطلح فهمهم فإن أتباعه في الخير قليل ومخالف ذلك كثير فقد أضر بهم بإقامة الحجة عليهم عند الله تعالى ولم يبق لهم عذر ولو أنه لم يأمرهم ولم ينههم لربما قالوا : [ [ يا ربنا لم يأتنا نذير ] ] ومن هنا قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي لما مدحوا أتباعه وكثرة نفعه : [ [ ضررنا أكثر من نفعنا والهالك من أتباعنا أكثر من الناجي لأننا نبين لهم فيخالفون فيهلكون ومؤاخذة الإنسان بعد البيان أشد من مؤاخذته من غير بيان ] ] فاعلم أن الكامل من نظر ماله ليشكر الله وما عليه ليستغفر الله وإن كانت أدلة الشريعة تشهد بأنه ليس على الداعي إثم من حيث كونه كان سببا لمؤاخذة من خالفه وإنما ذلك من حيث أن ثم لنا مقاما رفيعا وأرفع فلا يقال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فكيف يشرع لفاعله الاستغفار ؟ لأنا نقول قد قال الله تعالى لنبيه محمد A : { إذا جاء نصر الله والفتح } يعني فتح مكة . { ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } .
فأمره بالاستغفار من حيث أم ذلك الجهاد والاشتغال بهداية الأمة اشتغال بالخلق في الجملة فلما رقاه إلى الاشتغال بالحق دون الخلق استغفر من ذلك المقام والى ذلك الإشارة بقوله A : [ [ لي وقت لا يسعني فيه غير ربي ] ] .
أي غير الاشتغال به كما في حال الصلاة إذ لا يؤمر أحد فيها بأمر ولا نهى للغير .
وقد بلغنا أن داود عليه السلام لما شرع في بناء بيت المقدس كان كلما بنى شيئا أصبح منهدما فقال : [ [ يا رب إني كلما بنيت بيتك يهدم ] ] فأوحى الله تعالى إليه : [ [ إن بيتي لا يقوم بناؤه على يد من سفك الدماء ] ] قال داود : [ [ أليس ذلك في سبيلك ] ] فقال تعالى : [ [ بلى ولكن أليسوا خلقي ] ] . ويؤيد ذلك قوله تعالى لنبيه محمد A : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } .
أي لأن في السلم والصلح عدم سفك الدماء فرجح الحق تعالى تأخير قتلهم وتقريرهم على كفرهم لأجل القبضتين وهنا أسرار يذوقها أهل الله لا تسطر في كتاب . والله تعالى أعلم