فهربت الفارة البرية وهزت رأسها متعجبة وقالت أرى نعمة كثيرة وبلاء شديدا إلا و أن الفقر والعافية أحب إلي من غنى يكون فيه الموت ثم فرت إلى البرية وكان عند رومي خنزير فربطه إلى أسطوانة ووضع العلف بين يديه ليسمنه وكان بجنبه أتان لها جحش وكان ذلك الجحش يلتقط من العلف ما يتناثر فقال لأمه يا أماه ما أطيب هذا العلف لو دام فقالت له يا بني لا تقربه فإن وراءه الطامة الكبرى فلما أراد الرومي أن يذبح الخنزير ووضع السكين على حلقه جعل يضرب وينفخ فهرب الجحش وأتى إلى أمه وأخرج لها أسنانه وقال ويلك يا أماه أنظري هل بقي في خلال أسناني شيء من ذلك العلف فاقلعيه فما أحسن القنع مع السلامة والله أعلم بالصواب .
الفصل الرابع في أخبار المعمرين في الجاهلية والاسلام .
قال الحسن رضي الله تعالى عنه أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمر .
وقال رسول الله " ألا أنبئكم بخياركم ؟ قالوا بلي يا رسول الله قال أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سددوا " .
وزعموا أن تبعا الفزازي كان من المعمرين وإنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فسأله عن عمره فقال عشت أربعمائة وعشرين سنة في فترة عيسى بن مريم عليه السلام في الجاهلية وستين في الاسلام .
قال له أخبرني عما رأيت في سالف عمرك قال رأيت الدنيا ليلة في أثر ليلة ويوما في أثر يوم ورأيت الناس بين جامع مال مفرق ومفرق مال مجموع وبين قوي يظلم وضعيف يظلم وصغير يكبر وكبير يهرم وحي يموت وجنين يولد وكلهم بين مسرور بموجود ومحزون بمفقود .
وقد قال ابن الجوزي إن آدم عليه السلام عاش ألف سنة وعاش ابنه شيث تسعمائة سنة وعاش ابنه مهلايبل ثمانمائة وخمسا وتسعين سنة وعاش ابنه إدريس ثلثمائة وخمسا وتسعين سنة وعاش ابنه هود تسعمائه واثنتين وستين سنة