[663] وردّ هؤلاء على طلب موسى(عليه السلام) بقولهم كما تنقله الآية: (قالوا يا موسى إنّ فيها قوماً جبارين(1) وإِنّا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإِن يخرجوا منها فإِنا داخلون). ويدل جواب بني إِسرائيل هذا على الأثر المشؤوم الذي خلفه الحكم الفرعوني على نفوس هؤلاء فإِنّ في كلمة "لن" التي تفيد التأييد دلالة على الخوف والرعب العميقين اللذين استوليا على هذه الطائفة ممّا أرغمهم على الإِمتناع عن الدخول في أي صراع من أجل تحرير الأرض المقدسة وتطهيرها. وكان على بني إِسرائيل أن يحرروا تلك الأرض بكفاحهم وتضحياتهم، أمّا لو أنّ الأعداء تركوا الأرض المقدسة أو أبيدوا فيها بمعجزة على خلاف السنة الإِلهية الطبيعية، فإِن بنيإِسرائيل بدخلوهم إِليها ـ في مثل هذه الحالة دون أي عناء أو مشقة ـ كانوا سيواجهون العجز في إِدارة تلك الأرض الواسعة الغنية، ولم يكونوا ليبدوا أيّ اهتمام بالحفاظ على شيء حصلوا عليه دون جهد أو معاناة، فلا يظهر لديهم والحالة هذه أي استعداد أو كفاءة لعمل ذلك. أمّا المراد من عبارة (قوماً جبارين) فهم كما تدل عليه التواريخ قوم "العمالقة"(2) الذين كانوا يمتلكون أجساماً ضخمة، وكانت لهم أطوال خارقة، بحيث ذهب الكثير إِلى المبالغة في طول أجسام هؤلاء وصنعوا الأساطير الخرافية من ذلك، وكتبوا فيهم مواضيع تثير السخرية لا يسندها أيّ دليل علمي، ــــــــــــــــــــــــــــ 1 ـ يجب الإِنتباه إِلى أنّ كلمة "جبار" مأخوذةً أو مشتقة من الأصل (جبر) أي إِصلاح الشيء بالقسر والإِرغام، ولذلك سمّي إصلاح العظم المكسور (تجبيراً) فهذه الكلمة تطلق من جهة على كل نوع من التجبير والإِصلاح، ومن جهة أُخرى تطلق على كل أنواع التسلط القسري، وحين تطلق كلمة (جبار) على الله سبحانه وتعالى فذلك إِمّا لتسلطه على كل شيء، أو لأنّه هو المصلح لكل موجود محتاج إِلى الإِصلاح. 2 ـ العمالقة قوم من العنصر السامي يعيشون في شمال شبه جزيرة العرب بالقرب من صحراء سيناء، وقد هاجموا معصر واستولوا عليها لفترات طويلة ودامت حكومتهم حوالي 500 عام منذ عام 2213 قبل الميلاد حتى عام 1703 قبل الميلاد. عن دائرة المعارف لفريد وجدي، ج 60، ص 232 (الطبعة الثّالثة).