(312) وبتعبير آخر: أن الحكم الاول شرع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة أخرى، والحكم الثاني شرع للتأديب على الجريمة الاولى، وصونا لباقي النساء عن ارتكاب مثلها فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الاول بالثاني. نعم إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ارتفع وجوب الامساك في البيت لحصول غايته، وفيما سوى ذلك فالحكم باق ما لم يجعل الله لها سبيلا. وجملة القول: إن المتأمل في معنى الاية لا يجد فيها ما يوهم النسخ، سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها. وأما القول بالنسخ في الاية الثانية فهو أيضا يتوقف: أولا: على أن يراد من الضمير في قوله تعالى " يأتيانها " الزنا. ثانيا: على أن يراد بالايذاء الشتم والسب والتعيير ونحو ذلك، وكلا هذين الامرين ـ مع أنه لا دليل عليه ـ مناف لظهور الاية. وبيان ذلك: أن ضمير الجمع المخاطب قد ذكر في الايتين ثلاث مرات، ولا ريب أن المراد بالثالث منها هو المراد بالاولين. ومن البين أن المراد بهما خصوص الرجال، وعلى هذا فيكون المراد من الموصول رجلين من الرجال، ولا يراد منه ما يعم رجلا وامرأة، على أن تثنية الضمير لولم يرد منه الرجلان فليس لها وجه صحيح، وكان الاولى أن يعبر عنه بصيغة الجمع، كما كان التعبير في الاية السابقة كذلك. وفي هذا دلالة قوية على أن المراد من الفاحشة في الاية الثانية هو خصوص اللواط لاخصوص الزنا، ولا ما هو أعم منه ومن اللواط وإذا تم ذلك كان موضوع الاية أجنبيا عن موضوع آية الجلد. وإذا سلمنا دخول الزاني في موضوع الحكم في الاية، فلا دليل على إرادة نوع خاص من الايذاء الذي أمر به في الاية، عدا ما روي عن ابن عباس أنه التعيير وضرب النعال، وهو ليس بحجة ليثبت به النسخ، فالظاهر حمل اللفظ على ظاهره، ثم تقييده بآية الجلد، أو بحكم الرجم الذي ثبت بالسنة القطعية.