[ 374 ] أي أنهم يعلمون زخارف الحياة وزينتها وما ظهر منها، ويجهلون باطنها الأجوف. ومن نماذج السراب في حياة الانسان المعاصر هو الامراض النفسية الموحشة. نعلم بتقدُّم العلم والطب كثيراً في علاج الأمراض العضوية والبدنية، كما أنه قضى على كثير من الأمراض التي كانت في العهود السابقة، أمَّا الأمراض النفسية فقد أخذت بالانتشار، ومن المحتمل أن يأتي يوم يستحيل فيه العثور على انسان سليم نفسياً; لأنَّ سراب الحياة سلب منه النوم، ولا يمكنه أن يغفو ساعات متوالية إلاَّ بأقراص منوّمة. تجاوز هذه الدنيا الفانية والخادعة يتم من خلال العمل بالوصفة الدقيقة للطبيب الكبير المعالج لهذه الأمراض، أي الامام علي (عليه السلام)، حيث قال: "تَخفَّفُوا تَلْحَقُوا"(1). الاسفار القديمة كانت تتمُّ على نحو قوافل، وما كان يتوفّق فيها إلاَّ مَن كانت أمتعته قليلة وخفيفة وإلاَّ يتخلَّف عن القافلة في مراحلها الاُولى، والامام (عليه السلام) يرى شأن السفر في الدنيا نحو الآخرة شأن السفر مع القافلة، فمن خفّف فيها استطاع اللحاق بها وإلاَّ تخلّف. 2 ـ الاسلام دين النوعية لا الكمية لم يطلب الاسلام أعمالاً كثيرة من المسلمين بل طلب منهم أعمالاً خالصة، ولهذا قد توضع يوم الآخرة تلاً من الأعمال في الميزان لا تزن شيئاً. نفس الاشخاص يوزنون كذلك من حيث الاخلاص، وفي هذا المجال جاءت الرواية التالية: "إنَّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة"(2). إذن، ما يوليه الاسلام من أهمية هو عمق العمل، ولهذا لا يوصي الاسلام بالكثرة والكمية أبداً بل بالكيفية والنوعية. يقول الله تعالى في الآية السابعة من سورة هود: (لَيَبْلُوكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلاً)، داعياً الانسان من خلال هذه الآية إلى الاهتمام بنوعية العمل وكيفيته. 1. نهج البلاغة، الخطبة 21. 2. مجمع البيان 6: 497.
