[ 55 ] ".. ولا تدفعن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا: فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمنا لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك، بعد صلحه: فإن العدو ربما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتهم في ذلك حسن الظن. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة، أو البسته منك ذمة: فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمتك بالإمانة، واجعل نفسك جنة دون ما أعطيت: فانه ليس من فرائض الله شئ الناس اشد عليه إجتماعا، مع تفرق أهوائهم، وتشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود. وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر (1): فلا تغدرن بذمتك، ولا تخيسن بعدك، ولا تختلن عدوك: فإنه لا يجترئ على الله إلا جاهل شقي. وقد جعل عهده وذمته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، وحريما يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره: فلا إدغال، ولا مدالسة ولا خداع فيه. ولا تعقد عقدا يجوبز فيه العلل، ولا تعولن على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب أنفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق أمر ترجو إنفراجه، وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن تحيط بك من الله طلبته، فلا تستقيل فيها دنياك وآخرتك " (2). ________________________________________ (1) هذا يؤيد بما قدمناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب من أن العرب كانوا أفياء بعهودهم، وقد فرض عليهم هذا الأمر طبيعة الحياة التي كانوا يعيشونها حيث رأوا: أنه لا يمكنهم العيش بدون ذلك (2) نهج البلاغة بشرح عبده ج 3 ص 117 - 118 ومعادن الحكمة ج 1 ص 109 = (*) ________________________________________