[ 207 ] التاريخ عن شئ ذي بال، تميزت به اليمن في تاريخها القديم، سواء على الصعيد الفكري، أو الحضاري، أو غير ذلك، ولا كان فيها ما يعبر عن نظرة واعية، أو عقلية متطورة تتلائم مع حجم امكاناتها تلك. كما أن الديانة اليهودية المحرفة، التي سيطرت عليها حقبة من الزمن، لم تستطع أن تقدم لها شيئا يذكر في مجال النهوض باهلها، والخروج بهم من ظلمات جهلهم، والتخفيف من شقائهم وآلامهم، تماما كما لم تستطع المسيحية المحرفة في الرومان، والزرادشتية في الفرس: أن تؤثر تأثيرا يذكر في ذلك. أما في الحجاز، فقد كانت كل تلك العناصر مفقودة، ولكن عندما وجد العنصر الاخير منها - فقط - استطاعت هذه الامة - وذلك هو الاعجاز حقا - أن تنتقل من أمة متوحشة بدائية، تتصف بكل صفات الذل والمهانة، إلى امة لا تدانيها، ولن تدانيها أية أمة أخرى على الاطلاق. فعرب الحجاز لم يكونوا في الاكثر أهل زراعة، لان أرضهم لم تكن صالحة لذلك، بسبب قلة المياه فيها، حيث لم يكن فيها حتى نهر واحد بالمعنى الصحيح للكلمة (1). كما أن الامطار تقل فيها بشكل ملحوظ. وكل ما كان هناك هو بعض الينابيع، التي كانت تظهر في الشتاء، وتجف في الصيف، فيرحلون عنها بحثا عن غيرها. هذا عدا عن أن الارض نفسها كان فيها القليل مما يصلح للزراعة. إذن، فلا شئ يشد العربي إلى هذه الارض، أو يربطه بها، ويجعله يحبها، ويتفانى في سبيلها. بل كان مصدر حياتهم ورزقهم هو: السيف، والماشية، والابل بصورة عامة، ولهذا نرى أن اكثر ما يعز عليهم، ودر مكانة في نفوسهم هو هذه الامور بالذات، فنرى الشاعر العربي يتغنى بالجمل، والسيف، والفرس، ويتغزل بالرياح الطيبة، التي ________________________________________ (1) راجع: المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج 1 ص 157 فما بعدها. (*) ________________________________________
