[ 230 ] يستطيعون عادة تحمل المشاق، ومواجهة الصعوبات فان الشجرة البرية اصلب عودا، وأبطأ خمودا، ولذلك نجد: أن بعض المسلمين كانوا يودون لو يجعلون امتيازا لاحدهم، وهو ابن عمير لانه كان منعما قبل أن يسلم، وحينما أسلم تعرض للمشاق والالام، فذلك جعلهم يشعرون بأنه قد تحمل من المصاعب والالام ما يوجب الرثاء والرحمة له، وما ذلك إلا إنطلاقا من الناحية التي اشرنا إليها آنفا. 8 - بقايا الحنيفية في العرب: وبعد، فان مما ساعد على ذلك أيضا، وجود بقايا الحنيفية - دين ابراهيم كالحج وآدابه - في الجزيرة العربية، وفي مكة بالذات، لان العرب، وهم أولاد اسماعيل، قد توارثوا عنه الدين الحق وكانوا يعتزون بذلك، وقد قال الله تعالى لهم: ملة أبيكم إبراهيم.. ولكنهم على مر السنين بدؤا يخلطون هذا الحق بكثير من الباطل، شأن سائر الامم، عندما يغشاها الجهل، وتستبد بها الاهواء، والانحرافات. ثم تسرب إليهم الشرك، وعبادة الاوثان، حسبما قدمنا، ثم الكثير من الامور الباطلة، والاخلاق الذميمة، والفواحش، حتى اصبحوا في الجاهلية العمياء، وحتى أدى بهم الامر إلى الحالة التي وصفها لنا أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما تقدم، غير أن بقية منهم - وان كانت قليلة جدا - قد بقيت متمسكة بعقيدة التوحيد، وترففض عبادة الاوثان. وتعبد الله على حسب ما تراه مناسبا، وقريبا إلى تعاليم دين ابراهيم. ومن هؤلاء عبد المطلب، وأضرابه، من رجالات بني هاشم الابرار. وكان من بقايا الحنيفية تعظيم البيت، والطواف به، والوقوف بعرفة، والتلبية (1) وهدي البدن، وإن كانوا يطبقون ذلك مشوها وممسوخا، ________________________________________ (1) ذكر اليعقوبي في تاريخه ج 1 ص 254 - 257 ط صادر تلبيات كل قبيلة، وأعطى نبذة عن شعائرهم في مكة، فمن أراد فليراجع. (*) ________________________________________