وهذه الصفة هي مقتضى المسير الفطري السليم وهو ما أكّد عليه الأنبياء جميعاً، فبعد ذكر قصة إبراهيم والتركيز على خطه يأتي هذا المقطع القرآني (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون)[91]. ولذلك يعتبر القرآن ملة إبراهيم هي الطريق السليم، وما عداها لا يعدو السفه (ومن يرغب عن مله إبراهيم إلا من سفه نفسه)[92]. ويؤكد سلامة خطه عن كل لون آخر (ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين)[93]. ويعتبر شريعته الصراط المستقيم (قل إنَّنى هدانى ربّى إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملّةَ إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)[94]. (إن إبراهيم كان امة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين * شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)[95]. وخلاصة الأمر أن (الحنيفية) والاخلاص لله هي سر الوجود الحضاري الفاعل. بعد هذا لنستعرض بإجمال أهم الصفات التي يذكرها القرآن لهذه الشخصية وهي: أوّلا: الإيمان البالغ حد اليقين النافذ للقلب والوجود كله، وهو ما نلحظه في مجموع الآيات. ثانياً: التأمل والتفكر والتعقل الدائب: (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربّى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم انى بريء مما تشركون * إنّى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفاً وما انا من المشركين)[96]. ثالثاً: الدعوة إلى التوحيد بشتى الوسائل ومنها اقامة بيت التوحيد. رابعاً: الحجاج الفطري السليم في مجال الدعوة إلى الله: (وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جاء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه وقومه ماذا
