[ 367 ] منه الذى أمرنى به، واحتملته صابرا محتسبا، ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه، فقال: أليس كذلك ؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. فقال عليه السلام: وأما الثانية يا أخا اليهود فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنى في حياته على جميع أمته، وأخذ على جميع من حضره منهم البيعة والسمع والطاعة لامرى، وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب ذلك، فكنت المؤدى إليهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره إذا حضرته، والامير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا تختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لى في شئ من الامر في حياة النبي صلى الله عليه وآله ولا بعد وفاته. ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتوجيه الجيش الذى وجهه مع أسامة (1) بن زيد عند الذى أحدث الله به من المرض الذى توفاه فيه، فلم يدع النبي صلى الله عليه وآله أحدا من أبناء (2) العرب ولا من الاوس والخزرج وغيرهم من سائر الناس مما يخاف على نقضه ومنازعته، ولا أحدا ممن يرانى بعين البغضاء ممن قد وترته بقتل أبيه وأخيه أو حميمه إلا وجهه في ذلك الجيش، ولا من المهاجرين والانصار والمسلمين وغيرهم من المؤلفة قلوبهم والمنافقين، لتصفو قلوب من يبقى معى بحضرته، ولئلا يقول قائل شيئا مما أكرهه، ولا يدفعني دافع من الولاية والقيام بأمر رعيته من بعده. ثم كان آخر ما تكلم به في شئ من أمر أمته أن يمضى جيش أسامة ولا يختلف عنه أحد ممن أنهض معه، وتقدم في ذلك أشد التقدم، وأوعز فيه أبلغ الايعاز (3)، وأكد فيه أكثر التأكيد، فلم أشعر بعد أن قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا برجال من بعث أسامة بن زيد وأهل عسكره قد تركوا مراكزهم، وأخلوا (4) مواضعهم، وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فيما ________________________________________ 1) أسامة بن زيد بن حارثة الصحابي المتوفى سنة (54) ه. 2) في المصدر والبحار: أفناء العرب، أي الذين لم يعلم ممن هم. 3) أوعز إيعازا إليه في كذا أن يفعله أو يتركه: تقدم وأشار. 4) في البحار: وأخلوا بمواضعهم. ________________________________________
