[60] والاخبار في ذلك مختلفة، وورد في كثير من الادعية طلب الغنا وكثرة الاموال والاولاد، وورد في كثير منها ذم الفقر والاستعاذة منه، والجمع بينها لا يحلو من إشكال. ويمكن الجمع بينها بأن الغنا الممدوح ما يكون وسيلة إلى تحصيل الاخرة ولا يكون مانعا من الاشتغال بالطاعات، كما ورد نعم المال الصالح للعبد الصالح، وهو نادر، والفقر المذموم هو ما لا يصبر عليه ويكون سببا للمذلة والافتقار إلى الناس، وربما يحمل الفقر والغنا الممدوحان على الكفاف فانه غني بحسب الواقع ويعده أكثر الناس فقرا، ولا ريب في أن كثرة الاموال والاولاد والخدم ملهية غالبا عن ذكر الله والاخرة كما قال سبحانه: " إنما أموالكم وأولادكم فتنة " (1) وقال: " إن الانسان ليطغى، إن رآه استغنى " (2). وأما إذا لم تكن حصول هذه الاشياء مانعة عن تحصيل الاخرة، وكان الغرض فيها طاعة الله وكثرة العابدين لله، فهي من نعم الله على من علم الله صلاحه فيه، وكأن هذه الاخبار محمولة على الغالب، ومضمون هذا الحديث مروي في طرق العامة أيضا ففي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: اللهم اجعل رزق محمد قوتا، وعنه أيضا اللهم اجعل رزق محمد كفافا، وفي رواية اخرى اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا. قال عياض: لا خلاف في فضيلة ذلك لقلة الحساب عليه، وإنما اختلف أيهما أفضل الفقر أو الغنا ؟ واحتج من فضل الفقر بدخول الفقراء الجنة قبل الاغنياء قال القرطبي: القوت ما يقوت الابدان ويكف عن الحاجة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل، لانه صلى الله عليه وآله إنما يدعو بالارجح وأيضا فان الكفاف حالة متوسطة بين الفقر والغنا، وخير الامور أوسطها، وأيضا فانه حالة يسلم معها من آفات الفقر وآفات الغنا. ________________________________________ (1) التغابن: 15. (2) العلق: 6 و 7. [*] ________________________________________
