[191] الشأن ربنا ما خلقت هذا عبثا " سبحانك " أي ننزهك من فعل العبث تنزيها ". " فقنا عذاب النار " ولما كان خلق هذه الأشياء لحكم ومصالح منها أن يكون سببا لمعاش الانسان ودليلا " يدله على معرفة الصانع، ويحثه على طاعته، والقيام ________________________________________ = عليه، ولا فائدة تستعقبه، ولا يتصور له غاية تراد منه، بل يوجد بحقيقة صورية يشبه الحق ثم يضمحل ويهلك كأن لم يكن شيئا " مذكورا ". وهذا كاللهو واللعب: يلهو الصبى ويلعب لاجل اللهو واللعب ويعمل عملا كأعمال العقلاء يتشبه بهم من دون عائدة يستحصلها ولا غاية ينتهى إليها، كما قد يلهو الرجل العاقل ويلعب عبثا من دون أن يقصد بعمله فائدة، دفعا للوقت أو تصابيا " وتفننا " والجنون فنون. هذا هو الباطل، وأما خلق السموات والارض بما فيها من العظمة والبهاء، بما فيها من النظام الدائم الجارى، بما فيها من أنواع الحيوان وأصناف البشر، بما قدر فيها من الارزاق والاقوات، بما جعل فيها من تعاقب الليل والنهار وما في تعاقبهما واختلافهما من مصالح الحياة واستدامتها على وجه الارض لا يشبه اللهو الباطل، فسبحان باريها ومبدعها أن يكون لاهيا " في ذلك لاعبا "، أو يترك الانسان على أرجائها سدى يرتع ويلعب من دون أن يبين لهم ما يتقون. فإذا عرف الناظر ذواللب أن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار غاية أرادها مبدعها، وأن تلك الغاية - أياما كان - لم تستكمل بعد، والا لما استدام خالقها على ابقائها، علم بذلك أن لا بد للسموات والارض وبقائهما من أجل مسمى يستكمل عنده الغاية وان لم يعرف حقيقة تلك الغاية بنفسه، ولا درى كيف يأتي أجلها ولا أيان مرساها. فعند ذلك ينجذب هذا الناظر المتفكر إلى مبادئ الوحى والالهام، ويصغى بسمع قلبه إلى دعوى النبيين عن الله عزوجل ليعرف من مقالهم ومقال كتب الله المنزلة عليهم حقيقة تلك الغاية، والغرض من خلق الحياة والموت، فيصرخ الصارخ في صماخه أن اليوم المضمار وغدا السباق، والسبق الجنة، والغاية النار، هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور. = ________________________________________
