[ 138 ] تحم الاشياء وتفسد، ويفيض ماء البحر على الارض فيغرقها. ثم هذه الآفات التي ذكرناها من الوباء والجراد وما أشبه ذلك ما بالها لا تدوم وتمتد حتى تجتاح كل ما في العالم ؟ بل تحدث في الاحايين، ثم لا تلبث أن ترفع ؟ أفلا ترى أن العالم يصان ويحفظ من تلك الاحداث الجليلة التي لو حدث عليه شئ منها كان فيه بواره، ويلذع (1) أحيانا بهذه الآفات اليسيرة لتأديب الناس وتقويمهم، ثم لا تدوم هذه الآفات بل تكشف عنهم عند القنوط منهم فتكون وقوعها بهم موعظة وكشفها عنهم رحمة. وقد أنكرت المعطلة ما أنكرت المنانية (2) من المكاره والمصائب التي تصيب الناس، فكلاهما يقول: إن كان للعالم خالق رؤوف رحيم فلم يحدث فيه هذه الامور المكروهة ؟ والقائل بهذا القول يذهب به إلى أنه ينبغي أن يكون عيش الانسان في هذه الدنيا صافيا من كل كدر، ولو كان هكذا كان الانسان سيخرج من الاشر والعتو إلى ما لا يصلح في دين ودنيا كالذي ترى كثيرا من المترفين ومن نشأ في الجدة والامن يخرجون إليه حتى أن أحدهم ينسى أنه بشر أو أنه مربوب أو أن ضررا يمسه، أو أن مكروها ينزل به، أو أنه يجب عليه أن يرحم ضعيفا أو يواسي فقيرا. أو يرثي لمبتلى (3) أو يتحنن على ضعيف، أو يتعطف على مكروب، فإذا عضته المكاره ووجد مضضها اتعظ وأبصر كثيرا مما كان جهله وغفل عنه، ورجع إلى كثير مما كان يجب عليه، و المنكرون لهذه الامور الموذية بمنزلة الصبيان الذين يذمون الادوية المرة البشعة، ويتسخطون من المنع من الاطعمة الضارة، ويتكرهون الادب والعمل، ويحبون أن يتفرغوا للهو والبطالة، وينالوا كل مطعم ومشرب، ولا يعرفون ما تؤديهم إليه البطالة من سوء النشوء والعادة وما تعقبهم الاطعمة اللذيذه الضارة من الادواء والاسقام، وما لهم في الادب من الصلاح، وفي الادوية من المنفعة وإن شاب ذلك بعض الكراهة. فإن قالوا: ولم لم يكن الانسان معصوما من المساوي حتى لا يحتاج إلى أن ________________________________________ (1) يلذع بالذال المعجمة والعين المهملة: يوجع ويولم. وفى بعض النسخ يلدغ بالدال المهملة والغين المعجمة أي يلسع. (2) كذا في النسخ والظاهر: المانوية. (3) أي يرق ويرحم له. ________________________________________