ـ(107)ـ
أنه ليس غريباً القول بأن أغلب أنواع هذا التضامّ والتساند (الاتحادات) النابعة من تلك الضرورات الاضطرارية، هي اتحادات مرحلية ومؤقتة، وقد ثبت أن الكثير منها لم يستمر تشكّلها بمجرد زوال أو تبدّل الضرورات التي دفعت إليها; أما الأُمّة الاسلامية (الأُمة التي شاءت حكمة اللّه تعالى أن تجعلها أُمّة وسطاً) فلم تتشكل نواتُها الأُولى استناداً إلى ذلك الاضطرار، الذي لا أثر فيه للاختيار، ولم يستلزم في تشكّلها الزمن الطويل الذي احتاجه غيرها، ولم يتّسع عمرها كذلك لتلك التناقضات والاضطرابات التي تُمنى بها الاُمم عادة وهي في طور التآلف والتشكل، وإنما طوت مراحل نموّها واختزلت معوّقات دربها بزمن قياسي وخارق للعادة، الأمر الذي أثار - وما يزال - التساؤل عن سرّ ذلك، وعن العوامل التي أسهمت في الدفع بهذا الاتجاه.
إن كثيراً من الدارسين والباحثين الذين درسوا نشوء وتطور الجماعة الأُولى للمسلمين، أدهشهم هذا التشكيل الجديد والسريع والهادف، باعتباره ظاهرة تسترعي الانتباه، لذلك عزوا أسباب ذلك إلى عدّة أمور; منها:
1- طبيعة الرسالة الشاملة التي بعثها اللّه تعالى لهذه الأُمة، وما تكتنزه من طاقات محرّكة وبنّاءة، وما تمتاز به من عقيدة واضحة ومترابطة، وثابتة وشاملة، وفطرية ومبرهنة، ووسطى غير متطرفة، تحلّ لغز الوجود، وتفسّر للإنسان سرّ الحياة والموت، وتجيب على أسئلته الخالدة: من أين؟ والى أين؟ ولِمَ؟ وكذلك بما تتمتع به من شريعة متجانسة ومتّسقة وميسّرة وقابلة للانفتاح والاستجابة لضرورات الحياة (الزمكانية) وفق قواعد الاجتهاد العقلي المرتكز على الأُصول والثوابت.
2- طبيعة الرسول المبعوث بهذه الرسالة الشاملة والمتكاملة، وما يمتاز به من خلُق عظيم، وصمود متناه، وعلم غزير، وتكامل نفسي... وهو ما سيكون مدار بحثنا هذا.
3- طبيعة البيئة (الجغرافية والاجتماعية) التي نهضت فيها تلك الرسالة، وما امتازت به من صفاء وانبساط وقسوة مناخية، أكسبت أبناءها صفات خاصة تمثّلت