ـ(108)ـ
بحبّ البحث والتحري والمواصلة، منعكسة بأنماط سلوكية واضحة كالإقدام والشجاعة والاعتماد على النفس وعشق الحرية والصبر والسَّخاء و... جدير ذكره أن هذه الصفات والعناصر لا تخلو بقية الشعوب منها بنسب ما، وليست هي من المختصّات الخاصة لشبه جزيرة العرب (منشأ الحركة الأُولى) ، بدليل إمكانية استبدال قوم بقوم وحضارة بحضارة، إلا أنها مثّلت في حينها الأرضية المناسبة لحمل أفكار تلك الرسالة الشاملة، والأداة الفعّالة بيد الرسول القائد(صلى الله عليه وآله)، كيما يصنع الأُمة الشاهدة بتلك المدّة القياسية.
4- طبيعة الظروف السياسية التي أحاطت نشوء الجماعة الاسلامية الأُولى، وابتعادها النسبي عن سيطرة القطبين الرئيسيين آنذاك (الدولة الفارسية والدولة البيزنطيّة) ، الأمر الذي وفّر للجماعة الناشئة حرية الحركة والارتقاء بعيداً عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتلكما الدولتين.
5- وهناك أسباب أُخرى تتصل بطبيعة اللغة العربية وقابليتها الفريدة في التعبير عن أدقّ الحقائق الكونية والإلهية، وإعجازها المبين في الإقناع والتأثير... وكذلك تتصل بطبيعة الولاء القبلي السائد آنذاك، وبطبيعة البؤس والفوارق الطبقية التي كان يعكسها المجتمع المكّي بوضوح أكثر من غيره، إلى غير ذلك ممّا ساهم جميعاً بـإبراز نموذج الأُمة الشاهدة إلى واقع الحركة الاجتماعية، لتمارس شطراً من شهادتها على الناس ، في مدّة زمنية تصلح أن تكون نموذجاً للمقارنة والمحاججة والاحتذاء.
وبسبب ما وصلت إليه "الأُمة الوسط" من تراجعات هائلة على مختلف المستويات والأصعدة، وذلك منذ انحسار الدولة العثمانية - كحدّ أقرب للتشخيص ، وإلا فهناك من يرى أن خط التراجع قد بدأ أبعد من ذلك بكثير - والى الآن، فقد ظهرت الحاجة الملحّة عند مصلحي هذه الأُمة ودعاتها الهادفين إلى إرجاع دورها الحضاري الرائد، لدراسة العوامل الأساسية التي أسهمت سابقاً بتشكيل وتآلف الأُمّة على جميع الأبعاد، للاستفادة منها في عملية بناء الأمّة من جديد، وتضييق الهوّة بين عناصرها ومكوّناتها، وتأسيس خطابها النهضوي القادم.