ـ(121)ـ
على أساس سليم من العدل والخلق الكريم في كل زمان ومكان، أمّا الفروع والأحكام التي لا يضر الاختلاف فيها، فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها، ورسم صورة خاصة ومعينة لها، وإنما تركت كمساحات مفتوحة لإعمال النظر والتحليل والاستنباط (أي الاجتهاد)، باختلاف الأزمان والظروف، وهو (الاجتهاد) ضرورة عقلية وعملية مادامت الحياة في تطور وتجدّد، بل إن الاستجابات المتنوعة التي يمليها الاجتهاد، وتعدد الآراء، وتفاوت الأفهام، هي أمر لابد منه، وقد تكون بذاتها دليل حياة وقوة لهذا الدين، مادامت في حدود البحث العلمي الهادف، والحوار الممتلئ الرزن، وليس من الحكمة ولا الرحمة أن تأتي الرسالة بغير ما أتت، بل إن ذلك غير ممكن; فهل يتصور أن يضع اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله) للناس أحكاماً لوقائع يجهلونها؟ وهل كان بـإمكانهم تدوين كل ذلك وحفظه؟ وهل كان يمكن أن يصلنا كل ذلك سالماً معافى؟!
إن مساحة المشتركات واسعة بين المسلمين، ولذلك نعجب من حكّام المسلمين كيف لا يرون هذه المشتركات ولا يسعون إلى استثمارها في وقت يبحثون بكل جدّ لإيجاد قواسم مشتركة ومصطنعة; اقتصادية وأمنية بينهم وبين ألدّ أعدائهم وغاصب أرضهم (الكيان الصهيوني)! والعجب يشتدّ حينما يتعلّق الأمر بالجماعات والحركات الاسلامية والمراكز والحوزات العلمية، حينما تظل منطوية على تبعات الماضي وآلامه، ومنحشرة بل ومنضغطة في خلاف التاريخ، مع أن حجم التحدي القائم وسفوره وقباحته لم تترك مجالاً للشك أو التردد من أن جميع المسلمين مستهدفون سواء كانوا شيعة أو سنة! معتدلين أو متطرفين! بدويين أو متفرنجين...!
إننا نبحث عن مشروع أو عن إطار لمشروع يعطي المسلمين، أو يُرجع إليهم موقعهم اللائق في الخارطة العالمية المعاصرة، يستمد هيبته وموقعيته من عقيدتهم الشاملة ودورها الشاهد على الناس جميعاً. وبالتأكيد فإن الشهادة على الناس هي للراشد المتّحد وليس للمتخلّف المتمزق.
وندرك تماماً أن البحث في الوحدة الاسلامية - كحد أعلى - والبحث عن مشروع يقف بوجه حملات التغييب المتعمّد للهوية الاسلامية - كحد أوّلي - يعني البحث عن تشكيل موقعية مهمة في العالم الحديث، ويعني إعادة تشكيل شخصية أكثر من
ـ122ـ
مليار مسلم، ويعني فيما يعني أيضاً الوقوف ضد الانحدار الرهيب الذي تعانيه الحضارة العالمية بحث لا يواجه بأجواء الاستعراض وذهنية التسطيح وروحية التبسيط، وإنما بضرورة التكتل والتخطيط والأقدام.
وإذا كان من الحكمة والرفق الإلهي أثناء نشر الدين في مراحله الأُولى، أن كانت البقعة الجغرافية التي ترعرع عليها المسلمون الأوائل بعيدة عن الصراعات السياسية الدولية; فإن الأمر في مرحلته المعاصرة معكوس تماماً، فالبقعة التي يُراد للإسلام أن ينطلق منها اليوم تعد من أكبر مراكز الصراع والتوتّر الدولي، ومن أكثرها وفرة بالعناصر الحيوية للحضارة.
إن موقعية الشهادة أو (الوسط) التي يبحث عنها المشروع الإسلامي، ويسعى إليها، لا تضمر عداءً لأحد ولا تنفي آخرين; فلقد اعتبر الإسلام نفسه - وهكذا أراد اللّه لـه - مكمّلاً للأديان السماوية لا نافياً لها، وهو حين ينتقد اليهود والنصارى فلأنهم فرّطوا بالأمانة الإلهية وشوّهوا معالمها ومعانيها، سواء بسبب صدّهم للرسل(عليهم السلام)، أو خذلهم إيّاهم، أو إفساد عقيدة التوحيد عبر التجسيم أو التثليث. ومع ذلك فإن هذه الانتقادات لن تغيّر من حقيقة الإسلام الكبرى الهادفة إلى تحقيق الغايات السامية نفسها التي كانت الرسالات السماوية السابقة قد رسمتها وأكّدتها، والتي تشكّل روح الدعوة الإلهية ومبرّر وجودها وسرّ حركتها، أي الدعوة إلى توحيد اللّه تعالى، والاعتراف بتراث النبوة والتزامه، والإيمان بيوم القيامة والإعداد لـه (الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر)، ومن ثم الاعتقاد بأن الدنيا دار ممرّ وأن الآخرة هي المقر، وأن الأولى هي فرصة الارتقاء والتهيّؤ ليوم اللّه الأبدي (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. إلا من أتى اللّه بقلب سليم)(1).
إنّ مشروع الوحدة الاسلامية هو مشروع سلام ومشروع هداية ومشروع ثراء، وإن الأهداف الإلهية هي واحدة كما كانت، وإن مهمّة تحقيقها مازالت قائمة كما هي. فهل المسلمون مازالوا كما هم؟!
إنه السؤال الأكثر مرارة في الزمن المرّ.
ـــــــــــــــــــــ
1- الشعراء : 88 - 89 .