ـ(120)ـ
3- إضافة إلى أن هذه الحروب قد تضمنت فنون القتال وصفحات الحرب كافّة; كان فيها الهجوم والدفاع، والانسحاب والمحاصرة، والقتال الفردي والجماعي، والانتصار والهزيمة، والصلح والنقض، مما شكّل تجربة حياتية وسياسية وإدارية متكاملة لهذا النشء الجديد الذي حمل رسالة التغيير والهداية.
أمّا دوافع هذه الحروب الأساسية فقد أُجملت بثلاثة مبادئ رئيسية هي: الدفاع، والهجوم، والمناورة.
أ - الدفاع: ويمثل المحافظة على الدين من نوعين: من الاعتداءات الخارجية المتمثلة بغزوات قريش وأحلافها، والداخلية المتبدية بالاهتزازات الداخلية وأراجيف المنافقين ونقض اليهود لمواثيقهم وضغوط الواقع الاقتصادي.
ب - الهجوم: وقد شكّل اتجاهين مهمّين; رمزي: وهو ما شكّل أرضية المناورة والترهيب، وحقيقي: وهو ما مثّل المواجهة الفعلية وما انسحب عنها من آثار.
ج - المناورة: والتي شكّلت سرايا الاستعراض والتدريب المادة الرئيسية لها، وقد أسفرت عن نتائج مهمّة ليس أقلّها المعاهدات والاتفاقيات بين الدولة الجديدة والمحيط الخارجي لها.
إن الحروب والمواجهات في المرحلة المدنية تمثّل في تفاصيلها الكثيرة عنصراً مهماً في التراث النبوي فيما يتعلق بالإدارة والتخطيط والبناء، لذلك فإن استيفاء حق هذا المعلم المهم، واستقراء كل آثاره ونتائجه والدروس والعبر المتحصلة منه هي مهمّة لا تستوفيها هذه الإشارة العابرة، إذ تستلزم دراسات وافية ومفصّلة، بيد أن ذلك لا يمنع من الإثارة التالية، وهي: إن صناعة مواجهة الأعداء الفعلية وتحصيل الآثار الإيجابية من ورائها، هي فنّ واختصاص إذا لم تُحسن إجادته فقد يهدد بانهيار البناء كلّه، وقد برزت عظمة الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله) بكونه لم يكن رجل دين أو واعظاً مرشداً فحسب، وإنّما كان رجل الدين والدولة والحرب، ومن أرقى طراز.
كلمة لابد منها
إن حكمة اللّه تعالى الكبيرة في عباده المسلمين أنه وقاهم شرّ التفرّق في الأُسس والأُصول، وسما بحقائق دينه الكبرى أن تكون محلّ خلاف أو تنازع، وألحق بها كذلك ما هو في حكمها من الشعائر العبادية ودعائم المعاملات التي ينبغي ارتكازها
