ـ(170)ـ
وفي سنة 355هـ سار طاغية الروم بجيوشه إلى الشام، فعاث وأفسد، وأقام به نحو خمسين يوماً، فبعث سيف الدولة يستنجد أخاه ناصر الدولة. فأعلن ناصر الدولة استعداده لمساعدة سيف الدولة على أية حال.
وفي هذه السنة أصعد سيف الدولة الناس إلى قلعة حلب، وشحنها وانجفل الناس وعظم الخطب، وأخليت نصيبين، ثم نزل طاغية الروم بجيوشه على منج، وأحرق الربض وتحرك منها إلى وادي بطنان. وسار سيف الدولة متأخراً إلى قنسرين ورجاله والأعراب قد ضيقوا الخناق على الصليبيين، فلم يتركوا لهم علوفة تخرج إلا أوقعوا بها. وأخذ الصليبيون أربع ضياع بما حوت، فراسل سيف الدولة ملك الروم وبذل له مالاً يعطيه إياه في ثلاثة أقساط، فقال: لا أجيبه إلا أن يعطيني نصف الشام، فان طريقي إلى ناحية الموصل على الشام. فقال سيف الدولة: لا أعطيه ولا حجرا واحدا. ثم جالت القوات الصليبية بأعمال حلب، وتأخّر سيف الدولة إلى ناحية شيزر ونزل طاغية الروم على أنطاكية يحاصرها ثمانية أيام ليلاً ونهاراً، وبذل الأمان لأهلها فأبوا إطاعتهم والانقياد إليهم، فناجزهم الحرب من جوانبها، فحاربوه أشدّ حرب، وكان عسكره معوزاً إلى العلوفة.
وفي هذه السنة خرجت الروم فقصدوا مدينة آمِد ونزلوا عليها، وحصروها وقاتلوا أهلها، فقتل منهم ثلاثمائة رجل، وأسر نحو أربعمائة أسير، ولم يمكنهم فتحها فانصرفوا إلى دارا وقربوا من نصيبين خوفاً منهم(1).
وفي سنة 352هـ أصيب سيف الدولة بفالج في يده ورجله، وفي سنة 356هـ لبّى نداء ربه. وكان قد أوصى بأن يوضع خده في لحده على لَبِنة بقدر الكف جمعها مما علق بثيابه ودروعه وسلاحه من غبار غزواته للصليبيين. ونفذت وصيته(2).
وبذلك انقضت تلك الصفحات الطويلة من كفاح سيف الدولة الذي دوّخ أكبر إمبراطورية في زمانه. ولم يغمد سيف جهاده إلى آخر لحظة من حياته.
ـــــــــــــــــــــ
1- الكامل في التاريخ 8/572 .
2- إعلام النبلاء 1/278 .