ـ(169)ـ
وبعد سنة قرّر نقفور أن يقوم بحملته الكبرى للقضاء على هذه الأمارة الفتية التي شغلت بيزنطية عشرين عاماً كاملاً. وكان أوّل عمل قام به أن انقضّ على المصيصة ففتحها عنوة بالسيف، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ثم رفع السيف وأمر أن يساق من بقي في المدينة من الرجال والنساء والصبيان إلى بلد الروم، وكانوا نحو مائتي ألف إنسان.
وإذ قضى نقفور على المصيصة اتجه إلى طرسوس، فحاصرها حصاراً شديداً، فأذعن أهلها بالطاعة، وأخذ يشترط عليهم أن ينزح أهل طرسوس عن البلد، وأن لا يأخذوا معهم الا ما يستطيعون حمله، وأن تؤول جميع الدور والضياع إلى الصليبيين، وأن يترك كل من أحبّ المقام في طرسوس دينه، وأن يعتنق النصرانية، والا يدفع جزية وهو على دينه(1).
فسار أهل طرسوس عنوة في البر والبحر، ومعهم من يحميهم إلى إنطاكية، ولقيهم أهل هذه المدينة بالبكاء والنحيب، وكان في مقدمة الطرسوسيين رجلٌ يقرأ: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وان اللّه على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللّه..)(2).
ثم جعل الملك المسجد الجامع بطرسوس اصطبلاً لدوابه ، ونقل ماكان فيه من قناديل إلى بلده ، وأحرق المنبر وقلَّد البلد بطريقاً من بطارقته فى خمسة آلاف رجل، وقلَّد المصيصة بطريقاً آخر (3).
وفي سنة 354 - 355هـ ورد الخبر بإجابة نقفور إلى ما طلبه منه سيف الدولة من الهدنة والفداء. فأطلق سيف الدولة من كان من القواد، كما أطلق نقفور عيون رجال سيف الدولة، وكان بينهم ابو فراس ومحمد بن ناصر الدولة وغيرهم من رجاله وغلمانه(4).
ـــــــــــــــــــــ
1- تجارب الأمم 6/210 وما بعدها.
2- نهر الذهب 3/63، والآية في سورة الحج ( 39 - 40).
3- تجارب الأمم 6/211 .
4- التنوخي، المحسن بن علي : نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، تحقيق : عبود الشالجي، 1/281 ط بيروت 1391هـ / 1971م.
