ـ(172)ـ
وللمفسرين في الشرح رأيان:
الاول، ما روي أن جبرائيل (عليه السلام) أتاه وشق صدره وأخرج قلبه وغسله ونقّاه من المعاصي ثم ملأه علماً وإيماناً ووضعه في صدره.
الثاني، أن المراد من شرح الصدر ما يرجع إلى المعرفة والطاعة، ثم ذكروا فيه وجوهاً:
أحدها، أنه (عليه السلام) لما بعث إلى الجن والأنس فكان يضيق صدره عن منازعة الجن والأنس والبراءة من كل عابد ومعبود سوى اللّه، فآتاه اللّه من آياته ما اتسع لكل ما حمله، وصغر عنده كل شيء احتمله من المشاق، وذلك بأن أخرج من قلبه جميع الهموم وما ترك فيه إلا هذا الهم الواحد، فما كان يخطر بباله همّ النفقة والعيال، ولا يبالي بما يتوجه إليه من إيذائهم، حتى صاروا في عينه دون الذباب، لم يجبن خوفاً من وعيدهم، ولم يمل إلى مالهم، وبالجملة فشرح الصدر عبارة عن علمه بحقارة الدنيا وكمال الآخرة.
وروي أنهم قالوا: يا رسول اللّه أينشرح الصدر؟ قال: نعم، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: التجافي عن الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والأعداد للموت قبل نزوله.
وتحقيق القول فيه أن صدق الإيمان باللّه ووعيده يوجد للإنسان الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة والاستعداد للموت.
وثانيها: أنه انفتح صدره حتى أنه كان يتسع لجميع المهمات لا يقلق ولا يضجر ولا يتغير، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر مشتغل بأداء ما كلف به، والشرح التوسعة، ومعناه الإراحة من الهموم، والعرب تسمي الغم والهم ضيق صدر(1).
يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: "المراد بشرح صدره(صلى الله عليه وآله) بسطه بحيث يسع ما يلقى إليه من الوحي وما يؤمر بتبليغه وما يصيبه من المكاره والأذى في اللّه، وبعبارة أخرى: جعل نفسه المقدسة مستعدة تمام الاستعداد لقبول ما
ـــــــــــــــــــــ
1- التفسير الكبير، الفخر الرازي 32 / 2 - 3 .
