ـ(191)ـ
بالبسملة، بل اختلفوا في صورة حركة الاصبع في التشهد، و... وكلها فرعيات خلافية، لا نفس أصول الدين، ولهذا احترم كبار أئمة المذاهب آراء بعضهم، بل قلد بعضهم بعضاً أحياء وموتى، فصلّى الامام الشافعي عند قبر أبي حنيفة بمذهب أبي حنيفة أدباً، وقلّد أبو يوسف الامام مالكاً، وقرّظ الشافعي الليث بن سعد، وقرّظ أبو حنيفة سفيان الثوري والاوزاعي، ونظم الشافعي شعراً في تقريظ الامام أحمد، بل صلّى الإمام أحمد بن حنبل خلف بعض أئمة القدرية المغالين وأمثالهم.
وهكذا، لا يعرف عن كبار الائمة من طعن أخاه أو انتقصه، إذ ليس في الدنيا مذهب كله خطأ أو كله صواب.
وكان أبو حنيفة يقول: "رأيي على صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري على خطأ يحتمل الصواب".
وهكذا الشافعي قد وضع مذهبه القديم بالعراق في ظروف وأحوال خاصة فلما جاء إلى مصر، وواجه ظروفاً وأحوالاً أخرى، وضع مذهبه الجديد; كلاهما من الكتاب والسنة، وكلاهما صواب في موضعه: (... وما جعل عليكم في الدين من حرج...)(1).
وهذا هو الامام مالك لم يقبل من المنصور الخليفة العباسي أن يحمل الناس على كتابه "الموطأ" وبيّن له أن بعض الصحابة سمع مالم يسمع الآخر، أو علم مالم يعلم. فنشر ما علم، وكل منهم على حق، ومن ثم اختلفت الوجوه في المسألة الواحدة، وكلها على الاغلب صحيح.
ونحن مع إمامنا جعفر الصادق في قاعدته العملية: "حسبنا من المسلم ما يكون به مسلما" وسيبقى الخلاف مادام هناك اختلاف في العقول والتحصيل والفهم والبيئات والوراثات وغيرها:(... ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم...)(2).
والانسان مكلف شرعاً بالعمل بما وصل إليه اجتهاده واستقرّ عنده نظره، إن
ـــــــــــــــــــــ
1- الحج / 78 .
2- هود / 1 - 119 .
