ـ(192)ـ
تجاهل أوجه الشبه والوفاق بيننا وبين الآخرين، ونكف عن التركيز على أوجه الخلاف وعن الشعور بالتفوّق والثقة الزائدة بالذات، ويجب أن نعلم عن يقين أن مظاهر الاختلاف في المسائل الكبرى بين المفكرين الشيعي والسني ليست من الاتّساع والحدّة بما قد يبدو لنا للوهلة الأولى، فاستثناء مسائل معينة مثل موقف الشيعة من الخلفاء الثلاثة، ومثل مسألة الزواج إلى زمن محدود (المتعة) لا توجد سوى اختلافات صغرى ثانوية، لا يمكن أن تؤكّد بحال وجود الشقاق والتفرقة بينهما.
ومن وجهة نظر موضوعية نستطيع أن نقول: إن الفكر الديني الشيعي يملك ميزة التفكير العقلي المجتهد، كما أنه لا يكف عن التجديد واتخاذ مواقف واضحة إزاء كثير من المسائل الحديثة التي يتردد الفكر السني عادة - بما عرف عنه من الحيطة والحذر والاتزان- في الحسم بشأنها . ويستطيع هذا الفكر أن يلتقي في تكامل رائع مع الفكر السني بنزعته الإنسانية الشاملة، وتساميه عن الخلافات وألوان التعصب، واتجاهه دائماً إلى تهذيب ما بين الطوائف الدينية من علاقات وصبغها بصبغة إسلامية وإنسانية، وما أجدر بنا في عصرنا الحاضر الذي يمتاز بسيادة فكرة العالمية والإنسانية فيه، أن نرسم النموذج ونقدم المثل بديننا القويم الذي طالما عانى من سيطرة الأفكار المسبقة على الآخرين في نظرتهم إليه، وسيطرتها على طوائفه الدينية نفسها في نظر بعضها إلى بعض. ومن حسن الحظ أن هذا التكامل أو التقارب قد بدأ فعلاً منذ زمن وبدأ يؤتي ثماره في هذه الآونة من تاريخنا، وتقدمت إيران الاسلامية لتحتل مكانتها الجديرة بها في صنع التاريخ الإسلامي المعاصر، كما شاركت هي في صنعه بالأمس البعيد.. إيران "سلمان الفارسي" الذي ورد على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوماً ممثلاً لحضارة أجنبية عريقة، ليعلم الإسلام الوليد حرب الخنادق والتحصينات، وليحمل إليه بذلك أول خبرة من إيران... وكم تلتها بعد ذلك من خبرات! .. إيران العلماء الأفذاذ، الذين نالوا العلم ولو تعلق بالثريا، ووطأوا أكنافه للأجيال المتعاقبة من المسلمين في كل مكان.