ـ(20)ـ
قال الشيخ المفيد (1): "وقد اختلف فقهاء العامة في الصابئين ومن ضارعهم في الكفر سوى من ذكرناه من الأصناف الثلاثة فقال مالك بن أنس والأوزاعي: كل دين بعد دين الإسلام سوى اليهودية والنصرانية فهو مجوسية وحكم أهله حكم المجوس..." ثم استمر في نقل الكلمات في تسويتهم مع المجوس ـ ثم قال رحمه الله: "فامّا نحن فلا نتجاوز بإيجاب الجزية إلى غير من عددناه لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم والتوقيف الوارد عنه في أحكامهم". ثم قال رحمه الله في مقام استبعاد ما ذكره القوم من تسوية الصابئة للمجوس: "فلو خلينا والقياس لكانت المانوية والمزدقية والديصانية عندي بالمجوسية أولى من الصابئين، لأنهم يذهبون في أصولهم مذاهب تقارب المجوسية وتكاد تختلط بهما".
ثم ذكر بعض النحل المهجورة، وبيّن قربها من النصرانية أو من مشركي العرب ثم قال رحمه الله:
"فاما الصابئون فمنفردون بمذاهبهم ممن عددناه، لأن جمهورهم يوحد الصانع في الأزل، ومنهم من يجعل معه هيولى في القدم، صنع منها العالم، فكانت عندهم الأصل ويعتقدون في الفلك وما فيه، الحياة والنطق وانه المدبر لما في هذا العالم، والدال عليه. وعظموا الكواكب، وعبدوها من دون الله عز وجل وسماها بعضهم ملائكة وجعلها بعضهم آلهة، وبنوا لها بيوتا للعبادات، وهؤلاء بالقياس إلى مشركي العرب وعباد الأوثان أقرب من المجوس، لأنهم وجهوا عبادتهم إلى غير الله سبحانه في التحقيق، وعلى القصد والضمير، وسمّوا مَن عداه من خلقه بأسمائه جل عما يقول المبطلون..." إلى آخر كلامه الشريف الذي سلك فيه مسلك الفقيه المتكلم، وعمد إلى إبطال حجة فتوى الخصم بكون الصابئة من أهل الذمة من طريق الخدشة في مشابهة المقيس والمقيس عليه. وهو في غاية الجودة والإتقان إذا فرض أن ما نسبه رحمه الله إلى الصابئة من العقائد، هي العقائد المقبولة لديهم وهي التي تشكل أصول دينهم ونحلتهم، وسوف تعرف الكلام في ذلك.
___________________
1 ـ المقنعة: 370.