ـ(33)ـ
التعرض لمن يظهر أنه ممن لا يجوز التعرض لهم، سواء من جهة الإسلام أو من جهة الاندراج في الطوائف الذين لا يتعرض لهم من الكفار، وليس خصوصية لدعوى الإسلام، ولذا لو أدعى أنه من أهل الذمة يسمع منه أيضاً.
وثالثاً: إن قبول قول أهل الملل في عقائدهم أمر عقلائي لا يتخلف عنه العقلاء عادة، وذلك من جهة الظن النوعي بكونهم صادقين في دعواهم هذه، والسر في ذلك أن من يعتقد بشيء، إنّما يعتقد به من جهة أنه يراه حقاً وصدقاً، بل يراه الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يعتقد به، ولذا تراه صادعاً بعقيدته إذا لم توجد الدواعي الموجبة لاخفاء عقيدته كالخوف والتقية، فلا يعقل أن يقول أهل ملة ـ بكاملها وفي مر الأزمان ـ عن ملته ونحلته التي يتبعها، غير ما يعلم منها، فهو حجة على غيره فيما يقول عن نحلته بحسب هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع المقدس.
هذا، ويمكن الخدشة في الوجوه المذكورة بما يوهن الاستدلال بها..
أما الوجه الأول فيمكن التفريق فيه بين المقيس والمقيس عليه، بأن دعوى الكافر فيما ذكره الشيخ رضي الله عنه، إنّما هو إخبار عن أمر قائم بنفسه، أي إيمانه وعقيدته، ولا يعرف ذلك إلا من قبله، وفي مثله لا مناص عن قبول قول المدعي، وبذلك أفتى الفقهاء في أمثاله، ولذا ترى أنه إذا أمكن الوصول إلى الواقع بواسطة البينة المتشكلة ممن أسلم منهم صار معدلاً، فلو تبين كذب الدعوى بطل العهد والذمة (1). وهذا بخلاف ما نحن فيه، إذ الدعوى هاهنا ليس أمراً راجعاً إلى اعتقاد الشخص بأمر معلوم حتى يكون أمراً لا يعرف إلا من قبله، بل راجع إلى أمر أعم من ذلك، أعني اشتمال الدين الذي يعتنقه، على عقيدة التوحيد ومستلزماتها.
وبعبارة أخرى: هناك فرق بين أن يدعي أحد أنه من اليهود مثلاً، وأن يدعي أن دين اليهود يشتمل على كذا وكذا من العقائد والأحكام.. ففي الأول يجري كلام الشيخ رحمه الله وأما في الثاني فلا، لأن هذا ليس مما يكون قائماً بنفس المدعي، وليس مما لا يمكن معرفته إلا من قبله، حتى يلزم قبول قولـه فيه، بل هو أمر خارجي يمكن
___________________________________
1 ـ راجع التفصيل في: المبسوط، ج 2، ص 37.