ـ(32)ـ
إذ الحكم بالنسبة لمن حاله هكذا كالمجوس ليس حكماً احتياطياً، لأنهم أهل الكتاب واقعاً، وليس مشتبهاً بأهل الكتاب، فالحكم فيهم بعينه هو الحكم في اليهود والنصارى. إلا أن صحة استعمال هذا التعبير في حق كل طائفة ونحلة، يتوقف على إثبات كونه أهل كتاب واقعاً بدليل معتبر، كما هو الحال في حق المجوس، ولا يكفي فيه الحدس الظني من طريق مقارنة ما بأيديهم من الكتاب بما تحتويه الكتب السماوية عادة، أو من أي طريق ظني آخر.
ولو فرض ثبوت مثل هذا لدليل في باب الصابئة فهو، وإلا فاجراء عنوان: "من لـه شبهة الكتاب" في حقهم مشكل.
وسوف يأتي إن شاء الله في بيان النقاط التالية ما يوضح الأمر أكثر.
الأمر الثالث:
هل يجوز التمسك بدعواهم في عقائدهم إذا ادعوا التوحيد والاعتقاد بنبي من الأنبياء وكتاب من الكتب السماوية وأمثال ذلك ؟ ربما يتبادر ذلك إلى الذهن من وجوه:
أولاً: أفتى الفقهاء رحمهم الله بحجية قول الكافر إذا ادعى أنه كتابي بمعنى أهل الكتاب المعروفين أعني اليهود والنصارى. قال في المبسوط: "إذا أحاط المسلمون بقوم من المشركين فذكروا أنهم أهل كتاب وبذلوا الجزية فإنه تقبل منهم" إلى آخر كلامه(1).
والظاهر أنه أراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى المعروفين بهذا العنوان. فإذا كان قول الكافر حجة في ذلك فلم لا يكون حجة إذا ادعى أنه موحد وأنه من متبعي أحد أنبياء الله تعالى؟
ثانياً: إن الآية الشريفة: [ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا..] (2) تجعل قول من كان يعرف بالكفر، حجة في دعواه الإسلام، فلم لا يكون حجة من باب تنقيح المناط، في دعواه التوحيد والإيمان بنبي من الأنبياء ؟ إذا المناط هو عدم
_________________
1 ـ ج 2، ص 37.
2 ـ النساء: 94.
