ـ(31)ـ
الاستدلال. إلا أن معاملة أهل الكتاب، لا ينحصر في حرمة نفوسهم وأموالهم، بل يشمل عقد الذمة معهم والذي يشمل كثيراً من الفروع والأحكام،
ومن المعلوم أن ما أنيط به حرمة الدماء والأموال من وجود الشبهة ولزوم الاحتياط لا يكفي لإثبات تلك الأحكام، إلا أن تُدّعى الأولوية في ذلك، بأن يقال الجزية وساير ما يكلف الذمي به تكون بمنزلة العوض الذي يؤديه في مقابل حرمة نفسه وماله، فإذا كلفنا الكتابي بذلك فالمشتبه بالكتابي أولى منه به.
فالحاصل أن القول بجريان أحكام أهل الكتاب، فيمن يحتمل كونه كتابياً، مما لا يبعد عن القواعد الفقهية المتسالم عليها، فهذا هو الوجه في ذكر عنوان: "من لـه شبهة كتاب" في كلمات بعض القدماء، وجعله قسيماً لأهل الكتاب موضوعاً ومشتركاً لـه حكماً.
ولكن هذا كله بناء على أن المراد من "الشبهة" في العنوان المذكور، الشبهة والشك في كونهم أهل كتاب، فالشبهة هنا بناء على هذا المعنى من قبيل شبهة الأمان، حيث قلنا هناك: إن من احتمل في حقه الأمان فهو محقون، كما أن من توهم الأمان بالنسبة إلى نفسه ـ كمن سمع صوتاً من مسلم فتوهمه أماناً لـه ـ فهو محقون أيضاً مع أن عدم الأمان في المثال الأول محتمل في الواقع، وفي المثال الثاني عدم الأمان معلوم واقعاً، إلا أن الشارع حكم بترتيب آثار الأمان في المثالين، احتياطاً في أمر الدماء والنفوس، فهنا أيضاً يحكم في حق مشتبه الكتابية، بأحكام أهل الكتاب، احتياطاً للدماء والنفوس.
وأما بناء على أن يكون المراد من "شبهة الكتاب" ما احتملناه سابقاً ـ في البحث عن حكم المجوس ـ من أن المراد بالشبهة، المشتبه فيه، والمعنى أن ما بيد القوم من الكتاب الذي يزعمونه كتاباً سماوياً، ليس هو الكتاب السماوي الذي نزل على نبيهم، أي أن الأمر اشتبه عليهم في ذلك، كما هو الحال في المجوس بحسب ما ورد فيهم من الروايات، حيث ورد أنه كان لهم نبي وقد أنزل عليه كتاب ولكن أحرق الكتاب ولم يبق منه شيء، فما هو الآن بأيديهم ليس هو الكتاب الحقيقي النازل من السماء بل شيء مشتبه به، فعلى هذا المعنى يختلف الأمر مع ما ذكرناه على المعنى السابق