ـ(30)ـ
ومما يقوي هذا الاحتمال في كلامهم ما ذكره العلامة رضي الله عنه في المنتهى، فإنه قال في مقام الرد على أبي حنيفة الذي قاس مشركي العرب بأهل الكتاب والمجوس، ما لفظه: "والجواب بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإن أهل الكتاب لهم كتاب يتدينون به والمجوس لهم شبهة كتاب"، ثم نقل رواية الواسطي ثم قال: "والشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما بني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم للشبهة، بخلاف من لا كتاب لـه ولا شبهة كتاب" انتهى. فاستدلاله لحكم المجوس، بوجود الشبهة في أمرهم، كالصريح في أن عنوان "من لهم شبهة الكتاب" لا يراد به الإشارة إلى المجوس فحسب، بل هو حامل لاستدلال عام يشمل المجوس وغيرهم من الفرق التي يكون فيها مثل ما كان في المجوس من الشبهة.
ويؤيد ذلك كلامه الآخر في المنتهى، فإنه قال في مقام تقسيم الكفار إلى الذمي والحربي: "فالذمي يشمل من لـه كتاب كاليهود والنصارى ومن لـه شبهة كتاب كالمجوس" انتهى. فقوله: كالمجوس، فيه إشعار إلى أن المجوس أحد المصاديق لهذا العنوان الكلي، لا المصداق المنحصر لـه.
وحاصل ما ذكرنا أن المناط في إلحاق المجوس باليهود والنصارى في أحكامهم، هو وجود الشبهة في أمرهم وعدم إحراز كونهم غير منتمين إلى نبي من الأنبياء وكتاب من الكتب السماوية.
ثم إن إناطة حرمة الدماء والنفوس بالشبهة، أمر موافق لما علمناه من الشرع من الاحتياط في أمر الدماء والأموال والفروج، مضافاً إلى أن من الممكن القول بأن هدر الدماء وحل النفوس إنّما يختص بالمحاربين للدولة الإسلامية دون غيرهم من الكفار، وأن حكم القتل والقتال بالنسبة إلى الكفار ليس أمراً شاملاً لكل كافر إلا ما خرج بل يختص بطوائف منهم ـ على ما احتملناه ونفينا عنه البعد في بعض المباحث السابقة. وعلى فرض قصور الدليل على ذلك، فلا أقل من الاحتياط الذي أشرنا إليه في الطوائف التي قامت الشبهة في أمرهم وقد سمعت فيما نقلناه عن العلامة رضي الله عنه أن: "الشبهة تقوم مقام الحقيقة فيما بني على الاحتياط، فحرمت دماؤهم (أي المجوس) للشبهة". فهذا المقدار مما لا يحتاج إلى زيادة تكلف في