ـ(29)ـ
الأمر الثاني:
إذا لم يحرز صغروياً أن الصابئة أهل كتاب من الكب السماوية، فهل وجود الشبهة في أمرهم وعدم الجزم بخروجهم من دائرة اتباع الأنبياء، يكفي في جريان حكم أهل الكتاب فيهم، من إقرارهم على دينهم وإجراء عقد الذمة معهم وغير ذلك ؟ أم لابد في ذلك من إحراز كونهم من متبعي الأنبياء والكتب السماوية ؟
وإجمال القول في ذلك: أن أحد العناوين التي تكرر ذكرها في هذا الباب من الكتب الفقهية عنوان: "مَن لـه شبهة كتاب"، والظاهر أن هذا التعبير ليس لـه أصل حديثي، إذ لم نجد في روايات هذه الأبواب ما يمكن استقاء هذا التعبير منه، وإنما نشأ ذكره من عصر شيخ الطائفة رحمه الله وهو أول من وجدنا هذا العنوان في كلماته.
قال في المبسوط: الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب وهم اليهود والنصارى.. ومن لـه شبهة كتاب وهم المجوس فحكمهم حكم أهل كتاب.. إلى آخره.. (1) وأخذ ذلك منه تلميذه ومعاصره القاضي ابن البراج (2)، ثم تبعهما ابن إدريس والمحقق والعلامة رحمه الله، لوم نجد في كلمات قدماء أصحابنا إلى زمان المحقق الحلي رضي الله عنه من استعمله غير من ذكرنا. وهؤلاء استعملوه تعبيراً عن المجوس وجعلوه مقابلاً لعنوان أهل الكتاب، المراد بهم اليهود والنصارى والظاهر من مساق كلماتهم أن في ذكر هذا التعبير نوع إشارة إلى مناط الحكم في أمر المجوس، فكأن جريان ما يجري على المجوس من الأحكام إنّما نشأ من وجود الشبهة في أمرهم أو في كتابهم، وإلا لم يكن وجه للعدول عن تسمية المجوس باسمهم إلى التعبير عنهم بعنوان كلي، فالروايات الواردة في المجوس إنّما تتصدى لحكم المجوس بعنوان المجوس فقط، فلم يكن الباحث في بيان حكمهم كمجوسيين، بحاجة إلى ذكر عنوان كلي كهذا، وعلى هذا فيكون ذكر هذا العنوان، أعني وجود الشبهة في أمر كتابهم بحكم الإشارة إلى أن هذا هو المناط في حكمهم. وعلى هذا فالحكم لا ينحصر فيهم، بل يجري في كل نحلة تشترك معهم في هذا المناط، أعني وجود الشبهة.
__________________________
1 ـ المبسوط ج 2 ص 9 ط حيدري.
2 ـ راجع المهذب، ط قم، ج1، ص 298.
