ـ(28)ـ
هذا، وربما يستفاد من الكلام الذي نقلناه عن المفيد رحمه الله، أن هناك دليلا من السنة على اختصاص الجزية بالطوائف الثلاث (اليهود والنصارى والمجوس) وإذا صح ذلك فإطلاق ما عرفت في الآية الكريمة (آية الجزية) ورواية الواسطي، يقيد بهذا الدليل، ويكون هذا شاهداً على إرادة خصوص الكتب الثلاثة من الكتاب في الآية..
قال في طي كلامه المنقول سابقاً: "وأما نحن فلا نتجاوز بإيجاب الجزية إلى غير من عددناه، لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهم والتوقيف الوارد في أحكامهم.." إلى آخر كلامه الشريف.
إلا أنه لم يتضح لنا المراد من السنة في كلامه، فإن أراد السنة القولية، فليس فيما بأيدينا من الروايات ما يدل على اختصاص الجزية باليهود والنصارى والمجوس، ولم نعثر على من ادعى وجود رواية بهذا المضمون، حتى من قريبي العهد بزمان المفيد كأصحاب المجاميع الحديثية وغيرهم، بل هناك ما قد يستفاد منه تعميم الجزية على جميع الكفار، كما سيأتي إن شاء الله.
وإن أراد السنة الفعلية بمعنى عدم أخذ الجزية من الصابئة في زمان حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فهي:
أولاً: غير ثابتة، إذ عدم النقل أعم من عدم الوقوع
ثانياً: قد يكون عدم اخذ الجزية ناشئاً من عدم وجود الصابئة في عداد القاطنين في رقعة الفتوح الإسلامية آنذاك، فهؤلاء كانوا ساكنين في الميسان والحرنان، وكلا المكانين فتحا بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) وربما يكون ناشئاً عن أسباب أخرى. والحاصل أن السنة الفعلية في عدم أخذ الجزية من الصابئة لا تكفي لإثبات أن الحكم فيهم عدم الجزية، نعم لو كان هناك ما يدل على محاربتهم لكان دالاً على المطلوب بوجه، وأنّى يثبت ذلك ؟
وحاصل الكلام في النقطة الأولى هو أن الكتاب في باب الجزية لا ينحصر في الكتابين كما لا ينحصر في الكتب المشرعة، بل لو فرض ثبوت تبعية قوم لكتاب يحيى أو داود أو إدريس مثلاً، فهؤلاء من الذين أوتوا الكتاب، فتحقن دماؤهم، ويقرون على دينهم، وتؤخذ منهم الجزية.