ـ(35)ـ
الاعتبار في كل واحدة من هذه القواعد على حدة، حتى يناط الاعتبار الشرعي في كل منها بإمضاء الشارع لـه بالخصوص، ويكون مقتضى القاعدة عند الشك في إمضاء الشارع لواحدة منها عدم الاعتبار، بل بمعنى تصديق الشارع لما يشترك فيه الكل من الاعتماد على مايتعامله الناس في الأمور الراجعة إليهم وعدم الاعتناء باحتمال وقوعها غير صحيحة وغير منطبقة على ما هو الحق الحقيق، والبناء على صحة ما يأتون به لمصالحهم أو ما يبدونه من الأعمال لجلب النفع إليهم أو دفع الشر عن أنفسهم.
فحاصل هذا البناء العقلائي الذي لم يردع عنه الشارع المقدس، هو الاعتماد على أعمالهم وأقوالهم المعتادة لهم في أمورهم وشؤونهم والبناء على صحتها، وإلا لم يبق لتعامل الناس بعضهم مع بعض، أساس يعتمد عليه. ومن ذلك ما يبدونه و يظهرونه من عقائدهم وأديانهم. فإذا أراد أحد التوصل إلى ما يحتويه الدين البرهمائي أو البوذي، فلا طريق لـه إلى ذلك غير الرجوع إلى أقوال أهل ذاك الدين و ما كتبوه عنه في كتبهم وآثارهم، فهم حجة على غيرهم في ذلك لدى العقلاء طبعاً فيما لم يرد في ذلك ما يعارض دعواهم من الصادق المصدق.
وعلى هذا فالتمسك بدعوى الصابئة في بيان عقائدهم وما ينتحلونه من المعارف والأحكام، أمر عقلائي موافق لبناء العقلاء في أمثال ذلك. فلو فرض أنهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر، والاتباع لنبي من أنبياء الله المعروفين لدينا والعمل بكتاب من الكتب السماوية التي يفرض نزوله من عند الله فمقتضى القاعدة العقلائية التي لم يردع عنها الشارع، وهو الأخذ بكلامهم والتبني لدعواهم بغير تطرق وسوسة وريب في ذلك.
وسوف يأتي في بعض الأمور اللاحقة دعواهم لعقيدة التوحيد والإيمان بالله والملائكة واليوم الآخر والتبعية لبعض أنبياء الله تعالى.

الأمر الرابع:
لو بقي الشك في كونهم ممن أوتي الكتاب فما هو مقتضى القاعدة في ذلك ؟ وهل هناك أصل لفظي أو عملي يعمل بمقتضاه ؟
ظاهر كلام الشيخ رحمه الله في "الخلاف"