ـ(36)ـ
أن الأصل بالنسبة إلى كل ملة لم يحرز كونهم كتابيين، هو عدم قبول الجزية منهم وعدم إقرارهم على دينهم.
قال في مقام الاستدلال على جريان هذا الحكم بالنسبة للصابئة: "دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قولـه تعالى: [اقتلوا المشركين] الآية، وقوله تعالى: [فإذا لقيتم الذين كفروا...] ولم يأمر بأخذ الجزية عنهم. وأيضاً قولـه تعالى [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله...] إلى قولـه تعالى: [من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد..] الآية، فشرط في أخذ الجزية أن يكونوا من أهل الكتاب وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب.." انتهى..(1).
وحاصل كلامه رحمه الله أن هناك أصلاً لفظيا وهو عموم هذا الحكم في الآيات المذكورة بالنسبة إلى ما سوى أهل الكتاب من الكفار، فمتى لم يثبت الخروج عن هذا العموم بدليل خاص، فمقتضى القاعدة عموم حكم العام لـه.
ولا يخفى على المتأمل أن قولـه: وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب، إنّما هو نفي إحراز كونهم من أهل الكتاب، لا نفي كونهم كذلك واقعاً، إذ لا سبيل لأحدج إلى الكشف القطعي بأنهم ليسوا بكتابيين إلا من طريق إخبار الصادق المصدق (2). والمفروض عدم ورود دليل في باب الصابئة على أنهم غير كتابيين فالمراد: أنهم غير محرز كونهم كتابيين، وقد صرح بذلك صاحب الجواهر رحمه الله، حيث قال: "من شُكَّ فيه انه كتابي يتجه عدم قبولها أي الجزية منه، للعمومات الآمرة بقتل المشركين المقتصر في الخروج منها على (عنوان) الكتابية، التي هي شرط قبول الجزية" انتهى (3). فموضوع الحكم في كلامه رضي الله عنه هو من شك في كتابيّته.
أقول: للخدشة في ما يستفاد من كلام الشيخ رضي الله عنه والذي تبعه فيه صاحب الجواهر رحمه الله، مجال: أما أوّلا ، فلأنَّ العمومات المشار إليها في كلام صاحب الجواهر
_____________________
1 ـ ج 5 : ص 543.
2 ـ إلا أن يكون مراده من أهل الكتاب خصوص اليهود والنصارى.
3 ـ ج 21، ص 231.