ـ(37)ـ
ومنها الآيتان المذكورتان في كلام الشيخ رحمه الله ـ قد سبق الحديث عنها بالتفصيل (في الأبحاث السابقة) وقلنا أنها أو أكثرها ناظرة إلى حكم مشركي الحجاز من عبدة الأوثان، الذين كان رسول الله والمسلمون يومئذ، مبتلين بهم كأعداء محاربين، وليس فيها تعرض لحكم مطلق الكافر بالمعنى العام، أي الذي لم يتدين بما جاء به نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، وليس بصدد الأمر بقتلهم على العموم، ولا أقل من الشك في ذلك وكون هذا المقدار هو القدر المتيقن من مدلول الآيات.
وثانيا: إن ما أفاده الشيخ وصاحب الجواهر رحمهما الله كأصل متبع في باب المعاملة مع الكفار، أعني الحكم بعدم الجزية فيمن يشك كونه ممن أوتي الكتاب، من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية المخصصة بمعنى أن من يشك في كونه داخلاً في عنوان من أوتي الكتاب ـ وهو عنوان المخصص لعمومات عدم إقرار الكافر على دينه ـ يشك في كونه داخلاً في المراد الجدي من عنوان العام بعد ورود الدليل المخصص، أعني الكافر غير الكتابي، وهذا يقتضي عدم جواز الاستدلال بالعام لحكم هذا الفرد المشكوك.
نعم، لو فرض أن عنوان: "من أوتي الكتاب" وهو عنوان دليل المخصص، مشتبه مفهوما، بأن دار أمره بين صاحب الكتاب المشرع مثلاً أو الأعم منه ومن غير المشرع، فأجمال المخصص بهذا النحو لا يوجب عدم جواز التمسك بعموم دليل الكفار، لان الدليل العام يشمل صاحب الكتاب غير المشرع، ولا نعلم بشمول الدليل الخاص لـه، فالأمر في شمول الدليلين لهذا الفرد المشكوك دائر بين الحجة واللاّجحة ولعل هذا هو الوجه في استدلال صاحب الجواهر رضي الله عنه بعموم آيات القتال في بيان حكم الصابئة.
ثم إن ما ذكرنا من الفرق بين الصورتين، أعني ما كانت الشبهة فيه من قبيل الاشتباه في المفهوم، وما كان المفهوم فيه أمراً جلياً غير مشتبه، ولكن الشبهة أتت من ناحية الاشتباه في المصداق فتفصيله مذكور في الأصول. ومجمل القول فيه: أنه في صورة الاشتباه المفهومي، والذي يكون أمر المخصص دائراً مفهوما بين الأقل والأكثر، كما لو دار الأمر في معنى الفاسق، الذي ورد في الدليل المخصص،
