ـ(38)ـ
موضوعاً لعدم الإكرام كقول القائل: لا تكرم العالم الفاسق، دار أمره بين مرتكب الكبيرة فقط ومرتكب الأعم من الكبيرة والصغيرة من الذنب، فدلالة هذا الدليل المخصص على حكم الأقل وهو خصوص مرتكب الكبيرة معلومة، ولكن دلالته على حكم مرتكب كل ذنب ولو صغيرة غير معلوم، فإذا كان هناك عالم مرتكب للصغيرة فدلالة المخصص عليه وشموله لـه غير معلوم، في حين أن دلالة العام عليه وهو إكرام كل عالم معلوم. فتعارض العام والخاص بالنسبة لهذا المورد أعني العالم مرتكب الصغيرة، تعارض بين الحجة واللاحجة، فلا مناص من التمسك فيه بالعام. وفيما نحن فيه إذا فرض أن الدليل المخصص أعني آية الجزية مجمل من حيث المفهوم فيحتمل فيه إرادة خصوص أهل الكتب الثلاثة أو الكتب المشرعة، كما يحتمل شموله لهم ولغيرهم، فدلالة هذا الدليل على حكم غير أهل الكتب الثلاثة غير معلوم، في حين أن دلالة العام (أي عمومات الكفار) عليهم ثابتة بلا ريب، فيحكم عليهم بمقتضاه. وأما فيما كان عنوان الدليل المخصص أمراً واضحاً، وإنما وقع الاشتباه من ناحية الشبهة المصداقية، فالأمر يختلف تماماً، فإذا فرض أن مفهوم الفاسق ـ في المثال الذي سبق ذكره ـ غير مشتبه ولكن شُك في فسق زيد بالخصوص، فحينئذ لما كان المراد الجدي من قول القائل: أكرم كل عالم، هو إكرام كل عالم غير فاسق وذلك بقرينة المخصّص المنفصل الذي يقول: لا تكرم أي عالم فاسق، فشمول العام للفرد المشكوك كونه فاسقاً أو غير فاسق هو بعينه كشمول الدليل المخصص لـه في أن كلا منهما لا يشمل سوى ما أحرز كونه مصداقاً لـه، وبعبارة أدق: إن كلاّ منهما لا يكون حجة إلا فيما أحرز كونه مصداقا لـه، فكما لا يشمل الدليل المخصّص، هذا الفرد المشتبه كونه فاسقاً، كذلك لا يشمله الدليل العام.
فبناء على كون الشبهة في باب عنوان: "من أوتي الكتاب" وشموله للصابئة، من باب الشبهة المصداقية، تكون النتيجة أن عمومات قتال الكفار لا تشمل الصابئين، فلا وجه لاستدلال الشيخ وصاحب الجواهر رضي الله عنه بتلك العمومات مستهدفاً لإثبات خروجهم عن أحكام أهل الذمة. وقد علمنا أن الشبهة في هذا المورد ليست شبهة مفهومية في رأي صاحب الجواهر رحمه الله على ما يبدو من التأمل في كلامه، وهو صحيح
