ـ(39)ـ
وواضح بناء على ما ذكرناه سابقاً من أن الكتاب في آية الجزية يشمل الكتب السماوية جميعاً من غير اختصاص ببعضها. وعليه فلو بقيت هناك شبهة في أمر الصابئة، فهي إنّما تكون من باب الشبهة المصداقية، وفيها لا يجوز التمسك بالعام كما مرّ.
فحاصل الكلام في هذا الأمر أنه ليس هناك عموم أو إطلاق يمكن الاستدلال به في المشكوك كونه كتابياً على جواز قتله وعدم إقراره على دينه. نعم ترتيب جميع أحكام الكتابي على هذا المشكوك أيضاً مشكل، لأن أدلتها إنّما تثبتها لمن كان كتابياً، ولازمه إحراز هذا الموضوع، فما لم يحرز كونه كتابياً لا يمكن ترتيب تلك الأحكام عليه. اللهم إلا أن يقال: إن حكم الجزية يشمل هذا الفرد المشكوك في كونه كتابياً بمفهوم الأولوية، وقد سبق منا توضيح ذلك.
هذا كله في الأصول اللفظية، وأما الأصل العملي فربما يبدو أن المورد مجرى استصحاب عدم كون الصابئة ممن أوتي الكتاب، ويمكن تقريره على وجهين:
الأول ـ أن يكون المراد بالعدم المستصحب، هو العدم المفروض في مقابل وجود الصابئة، فيكون هذا الاستصحاب من جزئيات استصحاب عدم الخصوصية المفروض في ظرف عدم موضوعها، المعروف في متداول الأصوليين باستصحاب العدم الأزلي. ففيما نحن فيه يصدق أن هؤلاء قبل وجودهم لم يكونوا ممن أوتي الكتاب، فيستصحب هذا العدم. وهذا النوع من الاستصحاب قد استقر على إمكانه وصحته رأي أكثر متأخري الأصوليين، بذريعة تمامية أركان الاستصحاب فيه. ولذا ترونهم يتمسكون به في باب الشك في تذكية الحيوان المشكوك ذكاته والشك في قرشية المرأة المشكوك كونها قرشية وغيرهما من الأمثلة الكثيرة. إلا أننا مع الاعتراف بما يّدعى من انطباق قاعدة الاستصحاب عليه شكليا وعدم قبول ما يورد عليه من هذه الجهة، لم نتمكن من الاعتراف به بحسب شمول أدلة الاستصحاب عليه لفظاً أو إطلاقاً، وهكذا بحسب انطباق الاستصحاب عليه كقاعدة عقلائية متداولة في عرف العقلاء، ونرى أن حكم العقلاء بعدم وجود الخصوصية المشكوك فيها في موضوع ما، في صورة سبق السلب بانتفاء الموضوع، إنّما هو من باب أن
