ـ(40)ـ
الحكم بوجود كل خصوصية ذاتية كانت أو عرضية في أي موضوع من الموضوعات إنّما يحتاج إلى وجود دليل لذلك، فحكمهم بعدم الخصوصية من باب عدم الدليل عليها لا من باب الاستصحاب. والتفصيل في ذلك موكول إلى محالها ولا يسعه المجال في ما نحن فيه.
الثاني ـ أن يكون المراد بالعدم المستصحب، عدم نزول الكتاب على الجماعة المعتنقة لهذه النحلة في أول الأمر، وهذا خارج عن استصحاب العدم الأزلي، إذ العدم المستصحب إنّما فرض في ظرف وجود موضوعه لا في ظرف عدمه، فكل جماعة يفرض اعتناقها أولا بنحلة ما، إذا شك في نزول الكتاب السماوي عليها، يمكن استصحاب عدم نزوله عليهم في ما قبل ذلك، والنتيجة هي أن الجماعة المعتنقة أولاً بتلك النحلة والمسماة أولاً بذاك الاسم، ليست ممن أوتي الكتاب. وهذا كاف في تنقيح هذا الموضوع بالنسبة إلى من يتبعهم في الأزمنة اللاحقة، إذ المفروض عدم نزول الكتاب عليهم بعد تلك الأزمنة.
والاستصحاب على هذا التقرير أيضاً تام الأركان ولا يرد عليه ما يمكن أن يورد على استصحاب العدم الأزلي،، إلا أن الاعتماد على مثله في الأمور الخطيرة التي ترتبط بالنفوس والأموال والأعراض لا سيما في المسائل العامة الراجعة إلى الجماعة المتطاولة والأقوام المتتابعة، مما لا يمكن المساعدة عليه. وذلك لوضوح أن إحالة أمر دماء الألوف من أفراد النوع البشري إلى مجرد عدم العلم بكونهم محقوني الدم بعيد عن مذاق الشرع، ولا يعهد عن المعارف الإلهية وبالخصوص عن الشريعة الإسلامية، التي تعتبر كرامة الإنسان وحرمة دمه من أعظم الأمور، ولا يسمح بهدر الدماء وسفكها بغير حق، أو يحكم بحل دم إنسان واحد فضلاً عن الجموع الكثيرة، بمجرد الشك في حرمة دمائهم واعتماداً على أمثال هذا الاستصحاب.
وتوهم أن الاحتياط في أمر الدماء مختص بدماء المسلمين، مردود بأن المناط في هذا الاحتياط إنّما هو احتمال حقن الدم في مورده، ومعلوم أن منشأ هنا الاحتمال لا ينحصر في الإسلام بل يشمل الكتابي المعاهد وأمثاله أيضاً، فكلما وجد
