ـ(48)ـ
ولكن لا يخفى على المتأمل في ذلك أن ما بأيديهم من العقائد المردودة ليس بأكثر عما هو معروف عن بعض الأديان الإلهية المحرفة المنسوخة، أصحاب الكتب الإلهية النازلة على أنبياء الله، وهذا من أمر ما مر على شرايع الله تعالى في خلقه، أن تعرضت يد التحريف والجعل، عن جهل تارة وعن الأغراض المختلفة تارة أخرى، وتطاولت على أعظم وأغلى ما من الله به على عباده، أعني الكتب السماوية والأحكام الإلهية، فحرفتها عن مواضعها ومزجتها بالأباطيل والخرافات، إلا أن ذلك كله لا يوجب خروج الدين المحرف عن كونه إليها في الأصل، وخروج أهله عن كونهم أهل الكتاب، والله العاصم.
النقطة الرابعة:
ذكر بعض من تعرض للتعريف اللغوي أو التاريخي للصابئين أن اسمهم هذا مشتق من "صبأ" بمعنى خرج، ويقال لهم الصابئة، لخروجهم من دين إلى دين.. ويذكرون في وجه ذلك أموراً (1). وربما يتبادر إلى الذهن أن هذا لايتلائم مع الانتساب إلى أصل الهي ونبي وكتاب سماوي..
أقول: أولاً، في مقابل هذا الوجه في تسميتهم، وجه آخر ذكره بعض الفضلاء والمحققين في رسالة كتبها في التعريف بالصابئة، وهو أن هذه الكلمة (الصابئ) من أصل آرامي بمعنى "المغتسل" وقد سموا بها لاهتمامهم بالغسل بالماء، بحيث أنه أحد أركان أحكامهم الشرعية، ولذا يسمون في عرف أهل الملل بالصابئة المغتسلة..
وثانياً: أمثال هذه الاعتبارات المبنية على الحدس الظني مما لا وزن لها في استنباط الحكم الشرعي، حتى ولو لم يذكر في وجه تسميتهم ما ذكرناه عن ذاك البعض، فإن هذه الوجوه الظنية لا تغني من الحق شيئاً. والتفصيل في تحقيق الحال في أصل الكلمة ووجه التسمية بها خارج عما نستهدفه، فهو موكول إلى محالها والله العالم.
______________________________
1 ـ انظر: تفسير الرازي، وأمهات كتب اللغة.
