ـ(54)ـ
الجديدة ورسالة الإسلام، وأن لا يكون موقفهم منها كموقف قوم موسى حين دعاهم إلى دخول الأرض المقدسة، مع أنها كانت أمنيتهم وهدفهم، فتفوتهم ـ برفضهم دخول الدعوة الإسلامية ـ الفرصة السانحة ويصيبهم التيه الفكري والعقائدي والاجتماعي في عصر نزول الرسالة، كما أصابهم التيه السياسي والاجتماعي من قبل. وبذلك يتبين أن الوصول إلى تحقيق الأهداف الكبيرة والأماني الصالحة والمجتمع المتكامل هو باتباع الهدى والحق دون التمسك بالتعصب أو الجمود على التقاليد أو اتباع الهوى والرغبات.
والثانية: بيان أن النصر إنّما يتحقق إذا توفرت الإرادة الإنسانية القوية والشجاعة اللازمة، والتغلب على الخوف في أوساط الأمة بشكل عام. ولا يكفي وجود القيادة الرشيدة والرسالة الصحيحة والعقيدة الصالحة، فإنهما ـ وإن كانا من عناصر النصر الإلهي الأساسية ـ يستلزمان وجود الإرادة القوية للأمة.
ومن هنا نعرف السر الذي كان وراء اكتفاء القرآن الكريم بذكر هذا الموقف الخاص لبني إسرائيل دون غيره، لأنه هو الذي يحقق هذا الغرض، خصوصاً إذا عرفنا أن هذه القصة من المضامين التي يؤمن بها اليهود والنصارى معاً، وهذا الجانب من القصة لم يذكر في القرآن الكريم إلا في هذا الموضع.
الموضع الرابع:
الآيات التي جاءت في سورة الأعراف والتي تبدأ بقوله تعالى:
[ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ] والتي تختم بقوله تعالى: [وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ](1).
ونلاحظ في هذا الموضع من القصة عدة أمور:
الأول: إن القصة جاءت في عرض قصصي مشترك مع قصص نوح (59 ـ 64)، هود (65 ـ 72)، وصالح (73 ـ 79)، ولوط (80 ـ 84)، وشعيب (85 ـ 93)، تكاد أن
_______________________
1 ـ الأعراف: 103 ـ 171.
