ـ(64)ـ
ثالثاً ـ إن القرآن الكريم يعقب على القصة بالحديث عن القرآن ـ أيضاً ـ بقوله: [وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] (1).
رابعا: إن القرآن لا يشير في هذا المقطع من القصة إلا إلى الآيات التسع التي جاء بها موسى ورفض فرعون لدعوته ومصيره نتيجة لهذا الرفض.
ويمكن أن نستنتج من هذه الملاحظات:
أن القصة إنّما جاءت هنا شاهدا على حقيقة يذكرها القرآن وهي: إن مطاليب الكفار المشركين لم تكن بسبب حاجة موضوعية أو من أجل معرفة حقيقة القرآن وصدق النبوة، وإنّما هو أسلوب عام يتذرع به الكفار للتمادي في الضلال والإصرار عليه. فهي أشبه بالمطالب التعجيزية منها بالمطالب المعقولة والشاهد على ذلك قصة موسى عليه السلام، حيث جاء موسى بتسع آيات إلى فرعون وقومه، ومع ذلك فقد كان موقف فرعون منها موقف المكذبين ولم تنفع معه هذه الآيات، بالرغم من أن هذه الآيات التسع جاءت في أزمنة متعددة. ولسبب هو هذا الحاجز النفسي الذي تحدث عنه القرآن.
فالسياق هو الذي فرض الإتيان بهذا القدر من قصة موسى عليه السلام للاستشهاد بها على هذه الحقيقة. وهذا شيء تفرضه طبيعة الواقع التاريخي لرسالة موسى الذي أرسله الله سبحانه بالآيات التسع دون غيره من الأنبياء.
كما أن التكرار كان بسبب تأكيد مفهومين:
الأول : إن طلبات الكفار وتمنياتهم ليست نتيجة لواقع نفسي يدعوهم إلى الشك بالرسالة ويفرض عليهم التأكد من صحتها. ولا يكون عدم إتيان الرسول بمطاليبهم حينئذ بسبب فقدان صلته بالسماء وإنما بسبب كفاية القرآن الكريم لإقامة الحجة عليهم، كلما دلت الآية الكريمة بعد القصة على ذلك.
الثاني: إن مصير هؤلاء المكذبين كمصير فرعون من الهلاك والهزيمة، وإن أتباع النبي يصيرون إلى ما صار إليه بنو إسرائيل من وراثة الأرض.
_______________________
1 ـ 105.
